“الجن” يُثْري رقاة مغاربة .. أبو حفص: القرآن لا يعالج الأمراض

0
302

تحول العديد من الرقاة المغاربة، بين عشية وضحاها، إلى أصحاب أموال كثيرة، يستغلون محلات صغيرة عبارة عن “كراجات” لممارسة “الرقية الشرعية”، التي تتحول في كثير من الأحيان إلى أمور أخرى، تصل حد ممارسات جنسية.

بمدينة الدار البيضاء، العديد من الرقاة الشرعيين صاروا يستغلون منصات مواقع التواصل الاجتماعي لجلب أكبر عدد من “الضحايا” لمعالجتهم، وبالتالي الاغتناء على حسابهم دون حسيب أو رقيب، وفي غياب تام لأي قوانين تنظم هذه “المهنة”.

ويرى كثيرون أن مسألة انتشار ظاهرة الرقية الشرعية بهذا الشكل اللافت للانتباه مردها إلى كون الدولة باتت عاجزة عن تقديم حلول لعدد من المغاربة في المجال الصحي، خاصة في ما يتعلق بتخصصات الأمراض النفسية، بينما يرى آخرون أن مردها يرجع إلى الجهل وقلة الوعي، ما يجعل من مسألة وقفها والحد منها أمرا مستعجلا.

من الرقية إلى الاغتناء

تحت يافطة التداوي بالأعشاب الطبية الطبيعية يختبئ عدد من الرقاة الشرعيين لممارسة هذه “المهنة” التي تدر أموالا طائلة، إذ يحصلون فقط على هذه الرخصة من طرف السلطات المحلية، ومن ثم يشرعون في مهامهم واستقطاب الباحثين عن العلاج من “المس”.

هذا “السوق” كما أسماه الداعية والمفكر الإسلامي محمد عبد الوهاب رفيقي بات يضخ في أرصدة كثير من الرقاة أموالا كثيرة، فتحولوا في فترة زمنية قصيرة إلى أصحاب سيارات فارهة وعقارات خارج العاصمة الاقتصادية.

وتبتدئ أسعار الحصة التي يقوم بها هؤلاء الرقاة الشرعيون من 200 درهم، حسب حالة الشخص، بيد أنها ترتفع كثيرا إذا ما تعلق الأمر حسبهم بـ”جن صعيب”، أو بحالة ميسورة، أو من الأشخاص الأجانب، لاسيما العرب الذي يقصدون المغرب لهذا الغرض.

هذا الأمر يؤكده الراقي الشهير أبو جابر، الذي أشار في حديثه لهسبريس إلى أن هناك رقاة اغتنوا من هذه المهنة غير المنظمة، مضيفا أن بعض هؤلاء تجاوزوا الحدود المعقولة.

ويعتبر المتحدث نفسه أن السبب في هذا الاغتناء الذي وصل إليه العديد من الرقاة يرجع بالأساس إلى غياب إطار قانوني ينظم هذه “المهنة” ويحدد ضوابطها والتسعيرة الخاصة بالعلاج

في الحاجة إلى تقنين

إذا كان العديد من ممارسي الرقية الشرعية أو من يختبئون وراء ستارها لممارسات أخرى يرفضون مسألة تقنين القطاع، فإن بعض الرقاة يطالبون بضرورة تقنين المجال، وتفادي العشوائية التي يشهدها وتؤثر سلبا عليهم وعلى الدولة، وكذا المرضى الذين يقصدون محلاتهم.

بالنسبة إلى الراقي أبو جابر فإنه لا يرى مانعا من تقنين المجال، إذ أكد للجريدة أن هذا الأمر “أصبح ضروريا وواجبا على الدولة، بحكم كثرة المعالجين وكذا الشهرة التي عرفها المجال بسبب مواقع التواصل الاجتماعي”، مستدلا على ذلك بدول مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة التي قننت القطاع وصار مشروعا مربحا لها وللمتخصصين فيه وأيضا للمرضى.

وأردف الراقي نفسه بأن أي “قضية غير مقننة تصير عشوائية”، مضيفا أن المواطن يتعرض بنفسه في بعض الأحيان للنصب ممن يحسبون على مجال الرقية الشرعية الذين يختبئون وراء الشعوذة؛ “غير أنه لا يجد دليلا ماديا لمقاضاة المعني بالأمر، لأنه لا يحصل على توصيل أو أي شيء يؤكد كلامه”، وفق تعبيره.

ولفت المتحدث نفسه إلى أن الرقاة بدورهم يتعرضون للسب والقذف والتشهير في بعض الحالات، بيد أنهم يجدون صعوبة في التبليغ عن ذلك لكونهم لا يتوفرون على صفة قانونية.

برلمانية: الرقية لتغطية العجز

نقلنا هذا النقاش إلى البرلمانية والمحامية أمينة الطالبي، بيد أنها كانت ضد مسألة التقنين التي يدعو إليها بعض الرقاة، إذ اعتبرت أن ظاهرة الرقية الشرعية التي انتشرت بشكل كبير “لا يجب تقنينها، وإنما وجب منعها بشكل كلي”، مضيفة: “لا يجب تقنين الخزعبلات والشعوذة”.

ولفتت البرلمانية عن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، في تصريحها لجريدة هسبريس الإلكترونية، إلى أن العالم يتحول إلى الطب العصري؛ “بينما هناك عدد من الأشخاص تضرروا من هذه الممارسات، لأن الرقاة لا يتوقفون عند قراءة القرآن، بل صاروا يصلون إلى التعنيف وغيره”.

وأشارت المحامية والبرلمانية ضمن تصريحها إلى أن انتشار هذه الظاهرة “فيه تهريب للأزمات وعدم القدرة على حل أزمة الصحة”، مؤكدة أن “السلطات تغض الطرف عنها، ما جعلها تنتشر بكثرة في عدة مدن مغربية، كمحاولة لتملص الدولة من مسؤوليتها في القطاع الصحي”.

وأوضحت الاتحادية الطالبي أن الظاهرة باتت تنتشر بشكل كبير وصارت هناك قنوات متخصصة لها، مضيفة: “للأسف الطريقة التي تستعمل تعتمد على اللعب على حاجة وفقر الناس، وهذا يشكل خطرا، لأن الوضع تجاوز التأثير على العقول، وصار يصل إلى التحرش وغيره”.

وشددت الطالبي على أن ضرورة تدخل الدولة لمنع هذه الممارسة، ووقف انتشارها، “ووقف هذا التحايل على القانون”، مؤكدة أن الرقية الشرعية يمكن لأي شخص أن يقوم بها لوحده عبر قراءة القرآن.

رفيقي: الرقية لا تعالج

محمد عبد الوهاب رفيقي اعتبر أن انتشار الرقية الشرعية بهذا الشكل اللافت للانتباه ليست سوى تعبير عن “واحدة من تمظهرات التخلف والانحطاط التي تعيشها مجتمعاتنا الإسلامية للأسف الشديد”، مضيفا أنه “لولا قلة الوعي وضعف المنظومة التربوية، وارتفاع منسوب الجهل، ولولا عدم شيوع ثقافة النقد لما كان لهذه الممارسات أن تجد سوقا يقبل عليه الناس ويعتمدون عليه لحل بعض الإشكالات المرضية، سواء العضوية أو النفسية”.

لا يختلف ما ذهبت إليه عدة آراء، سواء من طرف حقوقيين وبرلمانيين أو أشخاص سبق لهم زيارة رقاة شرعيين، ولا ما يدون بمواقع التواصل الاجتماعي، عما ذهب إليه أبو حفص، الذي أكد في حديثه للجريدة أن “هذه الممارسات ليست سوى نصب وارتزاق باسم الدين، واستغلال للدين لأكل أموال الناس بالباطل”.

وبدد عبد الوهاب رفيقي كل ما يروجه بعض الرقاة حول إمكانية معالجتهم للأشخاص الذين يحملون أمراضا خطيرة، إذ لفت إلى أن الرقية الشرعية عن طريق قراءة القرآن لا يمكنها معالجة الأمراض العضوية.

وقال رفيقي في هذا الصدد: “حتى لو قلنا بشيء اسمه الرقية الشرعية فإنها عملية فردية يقوم بها الشخص لنفسه من باب إعطائه شيئا من الروحانية التي تساعده على راحة النفس، لا أن القرآن علاج لهذه الأمراض، إذ لا يمكنه معالجة الأمراض، كالسرطان وداء الكبد”.

وتابع المتحدث نفسه: “القرآن ليس بدواء وعلاج للأمراض العضوية، وما يقع من هؤلاء الرقاة هو اللعب على نفسية من يقصدونهم من أجل الحصول على الأموال”؛ وهو أمر حسب رفيقي دائما “يستوجب على الدولة التدخل بقوة وحسم للحد من هذه التصرفات والممارسات”.

تبقى إذا كرة الرقاة الشرعيين الذين انتشرت محلاتهم في الأحياء الشعبية والراقية كذلك بملعب وزارتي الداخلية والصحة، اللتين تتابعان الوضع وتضعان “عين الميكة” دون تدخل لتأطير المجال وتقنينه، ما من شأنه أن يعود على الدولة بعائدات مادية من الضرائب التي يمكن استخلاصها!.