المغــرب يعــود بقــوة إلـى الملـف الليبـي.. دعم عربي للمقاربة المغربية مقابل التحفظ على المبادرة المصرية

0
41

بعدما كان شبه غائب عن الأزمة الليبية في الآونة الأخيرة، مقابل دخول عدة أطراف إقليمية ودولية على خط هذا الملف الحارق؛ عاد المغرب بقوة في الساعات الماضية إلى واجهة تطورات الوضع في ليبيا عبر بوابة جامعة الدول العربية التي عادت لتُجمِع وتُؤكد مركزية الاتفاق السياسي الموقع في مدينة الصخيرات المغربية يوم 17 دجنبر 2015، والذي يعتبر المنطلق الوحيد للخروج من المأزق الحالي لتجنب تقسيم ليبيا وتحولها إلى بؤرة ملتهبة ومهددة للأمن القومي للمنطقة والمغرب. هذا ما تؤكده خلاصات مجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري، أول أمس الثلاثاء، في دورته غير العادية المنعقدة عبر تقنية «الفيديو كونفرونس» التي فرضتها جائحة كورونا المستجد.

في هذا الصدد، انتهى الاجتماع الاستثنائي لوزراء دول الجامعة العربية، المنعقد بطلب من دولة مصر، بمحاولة إرضاء جميع الأطراف المعنية من قريب أو بعيد بالأزمة الليبية، إذ جرى الخروج بـ14 خلاصة، أو بندا بلغة الجامعة العربية، وهي البنود التي توزعت بين «التأكيد والتشديد والترحيب والطلب»، لكن يبقى البند الأبرز الذي حظي بإجماع كل الدول العربية، والذي أعطي الأولوية على باقي الاتفاقات الإقليمية والدولية الأخرى، هو اتفاقية الصخيرات. وجاء في البند الثالث: «تأكيد أهمية الحل السياسي الشامل للأزمة الليبية، ودعم المجلس للتنفيذ الكامل للاتفاق السياسي الليبي الموقع في مدينة الصخيرات بتاريخ 17/12/2015، وتأكيد دور كافة المؤسسات الشرعية المنبثقة عن الاتفاق السياسي الليبي، ومخرجات مختلف المسارات الدولية والإقليمية، وآخرها مؤتمر برلين».

وفي الوقت الذي اتفق فيه الجميع على بند اتفاقية الصخيرات، وضعت بعض الدول مسافة بينها وبين المبادرة المصرية أو ما يسمى بـ«إعلان القاهرة»، وهي المبادرة التي تجسدت في البند الثامن الذي يقول: «الترحيب بكافة المبادرات والجهود الدولية وجهود دول الجوار الرامية إلى وقف العمليات العسكرية، واستئناف العملية السياسية في ليبيا برعاية الأمم المتحدة، وفي هذا السياق، الترحيب بإعلان القاهرة بشأن ليبيا الصادر يوم 6/6/2020، والذي يرتكز على أن الحل في ليبيا يجب أن يستند إلى الاتفاق السياسي الليبي وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، ومخرجات مؤتمر برلين والقمم والجهود الدولية الأممية السابقة التي نتج عنها طرح حل سياسي شامل يتضمن خطوات تنفيذية واضحة في المسارات السياسية والأمنية والاقتصادية، واحترام حقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي، والطلب من كافة الأطراف الليبية والدولية التعاطي بإيجابية مع هذه المبادرات».

وظهر جليا تحفظ حكومة الوفاق الليبية على البند الثامن الذي يمثل المبادرة المصرية، مؤكدة أن «من يريد لعب دور الوساطة يجب أن يكون على مسافة واحدة من جميع الأطراف، وألا ينحاز إلى طرف دون آخر، ونظراً إلى أن حكومة الوفاق، الحكومة الشرعية، لم تُدع ولم تُستشر بشأن هذه المبادرة التي لا تستند إلى مرجعيات التسوية السياسية في ليبيا، سواء الاتفاق السياسي الليبي الموقع في مدينة الصخيرات، أو مبادرة برلين أو قرار مجلس الأمن 2510». وعلى غرار حكومة الوفاق الليبية، تحفظت تونس وقطر وجمهورية الصومال الفدرالية على البند الثامن (المصري).

وباعتبارها الدولة المعنية الأولى بما يجري في ليبيا، فإن الدول المشكلة للجنة الصياغة المصغرة التي أعدت خلاصات الاتفاقية تتكون من مصر وتونس والجزائر والمغرب وليبيا، وهو الشيء الذي يظهر جليا في البنود الـ14، إذ حاول كل بلد أن يترك بصمته. فمثلا، جاء البند الرابع الذي يدعم المقاربة الجزائرية مباشرة بعد البند الثالث الذي يؤكد وجوب العمل باتفاقية الصخيرات؛ ويقول البند الرابع: «تأكيد الدور المحوري والأساسي لدول جوار ليبيا، وأهمية التنسيق في ما بينها في جهود إنهاء الأزمة الليبية، والترحيب بالبيان الختامي الصادر عن اجتماع وزراء خارجية دول جوار ليبيا الذي عقد في الجزائر برعاية كريمة من فخامة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بتاريخ 23/1/2020».

وتتحدث باقي البنود عن ضرورة انخراط الأمم المتحدة والمجتمع الدولي والاتحاد الإفريقي والاتحاد الأوروبي في تسوية الملف الليبي الذي لا يهدد دول الجوار وحدها، بل المنطقة المتوسطية برمتها، كما رفضت التدخلات الأجنبية في ليبيا، وحضور قوات أجنبية فوق أراضيها أو مياهها، ونصت على ضرورة محاربة الإرهابيين والمرتزقة وإدخال الأسلحة.

من جانبه، يؤكد المساوي العجلاوي، الخبير المغربي في الشؤون الإفريقية والمغاربية، أن قوة الموقف المغربي تكمن في اتخاذ مسافة من جميع الأطراف. وركز العجلاوي على أنه لا مفر للأطراف المعنية من العودة إلى اتفاقية الصخيرات، وجعلها منطلقا لحل الملف، لأنه «دون العودة إلى اتفاقية الصخيرات، الموقعة في 2015، فإن مصير ليبيا سيكون التقسيم»، وهذا يشكل خطرا حقيقيا على المنطقة التي يعتبر المغرب جزءا لا يتجزأ منها، وأضاف أن التحركات المصرية، سواء عبر إعلان القاهرة أو التهديدات العسكرية الأخيرة، هي «محاولة للتموقع» في الملف الليبي بعد هزائم حفتر الأخيرة. وخلص العجلاوي إلى أن «المغرب ممكن أن يقود هذه المرحلة كما وقع في الصخيرات». ولم يخف العجلاوي الدور المعرقل الذي تلعبه الجزائر في عجلة المقاربة المغربية، رغم أن الجارة الشرقية «ليست لاعبا أساسيا»، وليس لديها منطق يحظى بالشرعية والإجماع الدولي مثل اتفاق الصخيرات.

وعلى غرار الجنة المصغرة التي أعدت بنود خلاصات اجتماع الجامعة العربية، دعا ناصر بوريطة، وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، إلى إنشاء فريق عربي مصغر من دول عربية معنية بالملف الليبي، يتولى وضع تصور استراتيجي للتحرك العربي الجماعي للإسهام في تسوية الأوضاع بليبيا.

وأكد بوريطة مركزية وراهنية اتفاق الصخيرات، قائلا: «هل يمكن تخطي اتفاق الصخيرات دون بديل، ينال على الأقل القدر نفسه من التأييد الليبي والدولي، علما أن هذا الاتفاق يتضمن بنودا أصبحت متجاوزة وتحتاج إلى تحديث». وحذر بوريطة في مداخلته الدول العربية والمغاربية قائلا: «إذا جرى تجاوز هذا الاتفاق السياسي الليبي، فكيف سنتعامل، في أي إطار كان مستقبلا، مع الأطراف الليبية التي تستمد أصلا شرعيتها منه؟». وأضاف بوريطة أن المغرب يسعى إلى الحفاظ على اللحمة الوطنية لليبيين والوحدة الترابية.

وفي الوقت الذي أيدت تونس في الاجتماع الاستثنائي لدول الجامعة العربية اتفاقية الصخيرات، وتحفظت على «إعلان القاهرة»، أشار رئيسها قيس سعيد من فرنسا، أول أمس الثلاثاء، في حوار مع فرانس24، إلى أنه يمكن أن يكون هناك موقف مغاربي مشترك بشأن ليبيا، معتبرا أن المبادرة يجب أن تكون صادرة عن دول المغرب العربي، لأنها المعنية بالأساس، وحذر من أن تقسيم ليبيا قد يؤدي إلى تقسيم دول أخرى..