الإرهاب يطرح تجاوز “التراث الديني” في تفكيك التطرف داخل أوروبا‎

0
64

أعادت الاعتداءات الأخيرة في أوروبا النقاش الفكري والسياسي حول ظاهرة التطرف الديني، بعد أن خمد لشهور بفعل الانتشار الواسع لفيروس كورونا وحصده آلاف الأرواح.

وفي ظل استفحال الظاهرة الإرهابية وبواعث التطرف في أوروبا، يتوجه أغلبية الباحثين نحو نقد وتفكيك التراث الديني باعتباره المدخل الأساسي نحو بزوغ وتغول الظاهرة.

في مقاله هذا، يحاول الباحث المغربي محمد قنفوذي طرح السؤال حول جدوى استمرارنا كباحثين في اعتبار التراث الديني لوحده محفزا للتطرف في أوروبا، مع وجود دراسات وعوامل ومؤشرات تسهم في فهم وتفسير الظاهرة: ذاتية سيكولوجية وأخرى ثقافية هوياتية، تشكل اليوم عائقا نحو الاندماج الهوياتي والثقافي لأبناء المهاجرين من الأجيال الحالية، ضمن المدنية الأوروبية في عمقها الحداثي.

وهذا نص المقال:

يبدو أن الأحداث في أوروبا اليوم أعادت النقاش الفكري والسياسي حول ظاهرة التطرف الديني، بعد أن خمد لشهور بفعل الانتشار الواسع لفيروس كورونا وحصده آلاف الأرواح. بل وعاد التنظير بين الباحثين والمهتمين، بما يبعث على تعزيز المسالك العنفية وممارستها ميدانيا، خاصة بعد الحادث الشنيع الذي شهدته فيينا مؤخرا، وقبلها الحدث الإرهابي في فرنسا الذي أفضى إلى مقتل أستاذ التاريخ والجغرافيا صامويل باتي بطريقة بشعة ومدانة.

والملاحظ أن هناك توجها بين الباحثين يستند في تفكيكه لظاهرة التطرف والإرهاب إلى التراث وعدد من النصوص الدينية القرآنية منها والحديثية؛ فضلا عن كتب التفسير والفقه والرسائل “العملية”، باعتبارها مصدرا ومرجعا أساسيا في تزكية التطرف والإرهاب، ولكونها أيضا باعثا على صعود الظاهرة كلما اعتُقِد أفولها وخفوتها، خاصة مع وجود خطاب ديني وتراث فقهي يقف على أعتابه دعاة وفقهاء وعلماء يقاومون أي محاولة لتجديده بما يتوافق ورؤى العصر.

ومع كل هذا الجهد المعرفي والنقدي والتفكيكي، مازلنا نلحظ استمرارية الفعل الإرهابي، خاصة في أوروبا، ما يطرح سؤال جدوى اعتبار نقد التراث الديني لوحده كافيا لتفكيك ومواجهة ظاهرة التطرف الديني، عبر تقديم قراءات تدخلية معرفية للحد من انبعاثه، وتشجيع الفقهاء والعلماء على لعب دور ريادي في عصرنته، وتحمل المثقفين مسؤولية نقد مواطن التعصب والتطرف ضمنه، والعمل على تجاوزه أو خلق القطيعة الإبستيمولوجية كما وصفها عابد الجابري، أو حتى القطيعة الشمولية كما أقرها كل من أومليل وأركون.

وفي نظري أن مهمة نقد التراث وتفكيكه لوحدها غير كافية، لوجود مدخلات وعناصر أخرى مساهمة في تغذية الظاهرة وتزكية حضورها، والقول بذلك لا ينطلق من انشغال عاطفي أو تماه إيديولوجي، بقدر ما نحاول تقديم قراءة نقدية تستند إلى الوقائع الاجتماعية، وأيضا عبر ملاحظة مجموع التفاعلات المجتمعية، لنصل إلى تحليل موضوعي يقارب الظاهرة من كافة جوانبها، بل ويقدم عناصر تحليلية ممكنة قد تسهم في فهم طبيعة الفعل الإرهابي في أوروبا فضلا عن موانعه؛ وهي كالتالي:

الأول: عنصر الازدواجية الهوياتية أو كما سماها عالم الاجتماع الجزائري عبد الملك الصياد “الغياب المزدوج”، يجعل أبناء المهاجرين، خاصة من الجيل الثالث والرابع، أمام صدمة الانتماء الهوياتي، أي عدم الشعور بالانتماء إلى الوطن الأم، وأيضا عدم الإحساس بالانتماء الثقافي والهوياتي للوطن المستقبل، الأمر الذي يسهم في تجسيد نوع من الشتات الهوياتي، وبالتالي الضياع القيمي.

الثاني: الرغبة في تحقيق الانتماء الهوياتي غالبا ما تكون إجابتها لدى أبناء المهاجرين التدين، فمدخل الدين والالتزام بتعاليمه يعتبر طقسا للعبور/التحول، غرضه تأكيد الاختلاف، وإثبات الذات بالتمسك بالعقيدة، وهي حالة يمكن وصفها بالتقدير الإيجابي للذات، كما توصف سيكولوجيا كعامل مؤسس لتحقيق الرضا وخلق التوازن بين الحياة النفسية/الاجتماعية والدينية/الهوياتية.

الثالث: أغلبية المتحولين في أوروبا أو العائدين نحو التدين، وكما أكدت عدد من الدراسات، لم يكن لهم احتكاك مباشر بنصوص التراث، ما يعني أن تحولهم لم يكن نتيجة مطالعة النصوص الدينية والتأثر بها نظريا ثم ممارستها عمليا، ولكن كان العامل الذاتي/السيكولوجي أكثر قوة من حيث الحضور؛ وهو يرتبط أساسا بمحاولة بناء هوية فردية وجماعية جديدة، ضمن محيط ثقافي وهوياتي مضاد.

الرابع: التحول السريع نحو التدين لا ينبني على ثقافة دينية واسعة، بقدر ما يسهم في انفتاح المتحول على التلقي الديني المتعدد، تحقيقا للإشباع التديني، أي عدم تملك القدرة المعرفية والعلمية التي تحول بينه وبين الفكر المتطرف، ما يجعله أخيرا يتبني هذا الفكر ثم ينطلق في الدفاع عنه والإيمان بأحقيته.

الخامس: السعي إلى بناء الهوية الدينية الفردية، ثم الانشغال بالبحث عن تحقيق الهوية الجماعية، من خلال البحث عن جماعة المشترك التديني، التي يمكنها تعزيز الشعور بالانتماء والهوية، وهو ما يسقط عددا من الشباب في فخ الجماعات المتطرفة، خاصة مع وجود مراكز دينية ومساجد في أوروبا، استغلت أجواء الحرية من أجل تأكيد حضور إيديولوجيتها المتطرفة، والعمل على تجنيد الشباب نحو التطرف.

السادس: الاستثمار في تجييش الكراهية ضد المهاجرين، وتبني أطروحات إيديولوجية معادية ضدهم بنفس سياسوي، وأيضا نشر الإسلاموفوبيا وتعزيزها كواقع ثقافي وإعلامي، كان مادة خصبة ومغذية لإذكاء ظاهرة التطرف، من خلال الاستثمار المتبادل في الكراهية؛ فمن جهة يعزز هذا الخطاب من الإحساس بالاغتراب الهوياتي، وبالتالي سقوط المتحولين لقمة صائغة لدى جماعات التطرف الإسلاموي، ومن جهة أخرى يسعى المعادون للمهاجرين إلى تأكيد نزعتهم وإيجاد مساحة من العداء واللاتعايش.

وبذلك، يمكن القول إن عائق الاندماج الهوياتي والثقافي لأبناء المهاجرين من الأجيال الحالية، ضمن المدنية الأوروبية في عمقها الحداثي، يشكل أحد العناصر الحقيقية والمقلقة المشكلة في تزكية وتأكيد تحول الشباب العربي/المسلم في أوروبا نحو التطرف والتعصب الديني؛ فضلا عن الدور الذي يلعبه خطاب الكراهية للآخر، والنظر إليه كتهديد للهوية والثقافة المحلية، وهو تخوف قد يكون مشروعا في حالة النظر إليه من زاوية الخطر الإرهابي أمنيا وثقافيا، لكنه أيضا يحمل ظلما لملايين من المهاجرين المسالمين المتدينين بالإسلام الشعبي والباحثين عن لقمة العيش.

من الأكيد أن البحث في التراث الديني، واستمرارية “التدافع” مع فقهاء العقل الأرثوذكسي أو “حراس المعبد”، ومن يقفون على أعتاب التراث دون السماح للتداول والنقاش حوله، لا بد أن تستمر من جانب المثقفين والباحثين في تفكيك الظاهرة الإرهابية وفهم منابعها، خاصة في منطقتنا العربية/الإسلامية، حيث مازال الاستقطاب الديني يلعب دورا محوريا في تأجيج العواطف واستمالة العقول. لكن أيضا وجب التفرقة عند تحليل الظاهرة، بتأثير المتغيرات الزمكانية ومحدداتها في تحديد بواعث التطرف، وهو ما مكننا من التوجه نحو العناصر/الأبعاد سالفة الذكر في تحليل الظاهرة.

وختاما؛ إن استدعاء عناصر أخرى غير التراث الديني في فهم وتفسير الظاهرة الإرهابية في أوروبا هو منعرج تحولي لا ندعي الأسبقية له، فهناك عدد من الدراسات والبحوث التي حاولت مقاربة الظاهرة بتلك العناصر، إلا أن حضورها مازال محتشما في ظل الانكباب الأغلبي نحو النصوص الدينية وحدها. ومع أننا قدمنا قراءات نقدية وتفكيكية وأوضحنا مواطن اللاتعايش واللاتسامح في النصوص الدينية ضمن دراسات سابقة، إلا أن الظاهرة الإرهابية، خاصة في أوروبا، يبدو أنها تتجاوز المعطى التراثي في حد ذاته، ما يتطلب منا تجميع مختلف هذه العناصر وتوظيفها في عملية تحليل ودراسة الظاهرة الإرهابية في بعدها الشمولي.