“خطاب المسيرة” يبعث رسائل بشأن الحدود البحرية للأقاليم الجنوبية‬

0
50
Sa Majesté le Roi Mohammed VI salue la foule lors de la visite Royale à l’ancienne médina d’Essaouira

أثار الخطاب الملكي، بمناسبة الذكرى الخامسة والأربعين للمسيرة الخضراء، موضوع ترسيم الحدود البحرية للأقاليم الجنوبية للمملكة، الذي أثار جدلا واسعا في الأوساط السياسية الإسبانية، حيث أكد عاهل المملكة تشبّثه بمبادئ القانون الدولي في هذا الصدد.

وقال الملك محمد السادس إن المغرب “سيظل ملتزما بالحوار مع جارتنا إسبانيا، بخصوص أماكن التداخل بين المياه الإقليمية للبلدين الصديقين، في إطار قانون البحار، واحترام الشراكة التي تجمعهما، وبعيدا عن فرض الأمر الواقع من جانب واحد”.

وأضاف العاهل المغربي أن “توضيح نطاق وحدود المجالات البحرية، الواقعة تحت سيادة المملكة، سيدعم المخطط الرامي إلى تعزيز الدينامية الاقتصادية والاجتماعية”، موضحاً أنه “انطلاقا من هذه الرؤية، ستكون الواجهة الأطلسية، بجنوب المملكة، قبالة الصحراء المغربية، واجهة بحرية للتكامل الاقتصادي، والإشعاع القاري والدولي”.

وتعليقا على ذلك، قال عبد الواحد أولاد ملود، الباحث في القضايا الأمنية لشمال إفريقيا، إن “أكثر من سبعين في المائة من مساحة الكرة الأرضية تدخل في نطاق البحار والمحيطات والمياه بصفة عامة، وتبقى فقط ثلاثون بالمائة من اليابسة؛ كما توجد دول تحظى بحدود بحرية يطغى عليها طابع جيو-إستراتيجي، نظرا لكون المحيطات والبحار من أهم ما يعود على المجال الاقتصادي للدولة بالنفع”، وزاد: “طبيعة الدولة غالبا ما تعتمد على بعدين أو ثلاثة أبعاد على مستوى حدودها، وهناك دول تكتفي ببعد بري وجوي فقط، وأخرى تتمتع بالحدود البرية والجوية والبحرية”.

وأضاف أولاد ملود، في تصريح ، أن “قانون البحار، الذي صنف ضمن مقتضيات القانون الدولي، عرف نقاشا عميقا حتى على صعيد المنظمات الدولية، لاسيما منظمة الأمم المتحدة، نظرا لما يعرف هذا الشق القانوني من تعقيدات، فقد عرف إخراج اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لسنة 1982 بمونتيغو باي في جامايكا مخاضا عسيرا، مرورا بأربع اتفاقيات أممية سنة 1958، نظمت كلها ما يرتبط بالحدود البحرية، نظرا لعرقلة بعض الدول الصناعية، على رأسها الولايات المتحدة، مسار هذه الاتفاقية (اتفاقية 1982)”.

وترجع عرقلة الدول الصناعية، حسب الباحث السياسي، إلى “عدم تماهي مقتضياتها مع مصالحها البحرية، إذ قسمت هذه الاتفاقية الحدود البحرية إلى أربع مناطق؛ هي المياه الإقليمية، والمنطقة المتاخمة، والمنطقة الاقتصادية الخالصة، وكذلك امتداد الجرف القاري، إن كانت لدولة ما حدود بحرية شاسعة”، مردفا: “كما تناولت الاتفاقية كذلك سطح وعمق المجال الجوي للبحر. وتجدر الإشارة إلى أن أي دولة تنوي التصديق على هذه الاتفاقية يجب عليها أن تضبط حدودها البحرية بشكل تقني ودقيق جدا”.

وأوضح الباحث عينه أن “المغرب يعتبر من بين الدول التي ساهمت في إعداد هذه الاتفاقية، غير أنه لم يصادق عليها حتى سنة 2007، بعد 13 سنة من دخولها حيز التنفيذ سنة 1994″، مضيفا: “في اعتقادي يعزى هذا التأخير إلى أسباب سياسية وجيو-إستراتيجية، منها ما يرتبط بالأوضاع في الصحراء بالتوقيع على اتفاقية وقف إطلاق النار مع جبهة البوليساريو سنة 1991، وما خلفته سنوات الرصاص من انشغال بترتيب البيت الداخلي، وكذا ما عرفته العلاقات المغربية مع إسبانية من شد وجذب؛ إما بسبب قضية الصحراء نفسها، أو على مستوى بعض الجزر المجاورة على غرار جزيرة ليلى، وغيرها”.

وتابع الباحث ذاته شارحا: “انتظرت المملكة أكثر من عقدين من الزمن لإخراج قانون ينسجم واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار. ويجب التذكير بأن المغرب يعد من بين الدول الأولى إفريقيًا التي تتمتع بمساحة بَحرية كبيرة؛ ومنه سيساهم هذا القانون في تدبير هذا التشريع الجديد لحدوده البحرية؛ من طنجة شمالا حتى الكويرة جنوبا، إذ تستند المبادرة المغربية لإخراج هذا القانون إلى حيز الوجود إلى عدة اعتبارات، تتجلى أولها في النهوض أكثر بالوضع المتقدم الذي منحه الاتحاد الأوروبي للمغرب”.

وتروم المبادرة المغربية، وفق محدثنا، “تفعيل الشراكة البحرية أكثر مع الولايات المتحدة، خاصة بعد مشكلة الميزانية العامة في اتفاق الشراكة بين المغرب وأمريكا بسبب اللوبي داخل الكونغرس، الذي فشل في فصل نصف الميزانية المخصصة للأقاليم الجنوبية. والأهم من كل هذا القطيعة القانونية مع مناورات خصوم الوحدة الترابية الذين بادروا إلى إفشال اتفاق الصيد البحري بين المغرب والاتحاد الأوروبي باللجوء إلى محكمة العدل الأوروبية، التي أصدرت قرارا ضد المغرب ما فتئ أن فنده مجلس أوروبا”.

كما أن ترسيم الحدود ستكون له أبعاد سياسية واقتصادية وأمنية، تبعاً للباحث في العلوم السياسية، وذلك بـ”القطيعة السياسية مع مناورات خصوم الوحدة الترابية والاستثمار بالأقاليم الجنوبية، دون إغفال المحدد الأمني، إذ سيمكن المغرب من فرض مراقبة أمنية أكثر على المجال البحري التابع له”، مبرزا أن “الخطوة المغربية لقيت جدلا سياسيا واسعا في الأوساط الإسبانية، ما جعل الملك محمدا السادس يتناول محددات استكمال المغرب ترسيم حدوده البحرية وفقا لمبادئ القانون الدولي في خطاب المسيرة الخضراء لهذا العام”.

واسترسل أولاد ملود: “أشار ملك البلاد إلى أن الثروات البحرية المغربية بالأقاليم الجنوبية هي امتداد للخيرات المغربية باعتبارها جزءا لا يتجزأ من تنمية البلاد. ومن خلال قراءة تحليلية لمضامين الخطاب الملكي في هذا المجال نستشف أن الملك محمدا السادس بعث رسالة واضحة إلى الجارة إسبانيا قصد الحوار والتفاهم على مستوى المناطق البحرية المتداخلة بين البلدين، وأن ما سيتم التوصل إليه يجب أن يكون بين طرفين، لا من طرف على حساب الآخر”.

“هنا إشارة واضحة إلى أن مصلحة الجارتين تبقى فوق كل مزايدات، نزولا عند علاقة الصداقة والشراكة بين المغرب وإسبانيا، مع إبعاد كل تصرف لا يخدم مصلحة البلدين”، يورد المتحدث ذاته، الذي استطرد: “شدد الملك على أهمية الاستثمار البحري بالأقاليم الجنوبية، وكذا مجال الطاقة المتجددة بكل أنواعه، وانعكاساته الإيجابية على العمق الإفريقي والأطلسي معا”.

وخلص المصدر عينه إلى أن المغرب “بدخوله كطرف في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وذلك من خلال استكمال المسطرة التشريعية، لا محال أنه ستكون جلسات حوار بينه وبين إسبانيا للتوصل إلى حلول ترضي الطرفين، بعد أن كانت الأخيرة تستغل الفراغ التشريعي في هذا المجال، إذ صادقت على الاتفاقية بداية الألفية الجديدة، وبادرت بمطالبة تشكيل الجرف القاري مرتين، سنتي 2004 و2009، وتمديده بأميال من جزر الكناري من اللجنة الأممية المختصة”، خاتما: “هنا يمكن القول إنه آن الأوان لكي يقطع المغرب مع سياسة الانتظار في ترسيم حدوده البحرية”.