مغربي يحكي ما عاشه في جحيم ليبيا

0
261

زغاريد وهتافات ترحيب حار عج بها بيت عادل، شاب في ربيع عمره، شاحب الوجه جاحظ العينين، بدا على غير عادته مندهشا بالكاد يقوى على السير، تخبرك حقيبته المتهالكة وثيابه الرثة أن الرجل حتما ليس بخير، “عاد من الموت”، هكذا تحدثت إحدى قريبات عادل كاشفة سرا ظل دفين قلوب أبويه وإخوته طيلة مدة سفره، بعد خمسة أشهر كاملة، لفظت ليبيا الشاب الحالم بنعيم الضفة الأخرى، مدة كانت كافية لكي تحوله إلى شبه إنسان، لاقى خلالها أشد ألوان العذاب، ورأى الموت رأي العين.

عادل يعتبر من الدفعة الأولى للمغاربة الذين حالفهم حظ العودة إلى الوطن، محملا بذكريات نحتت في ذاكرته أبدا ما دام حيا، بعد اشتراطه عدم الكشف عن صوره ولقبه وافق على سرد تفاصيل قصة عبور إلى الجحيم لـ”اليوم24″، ينقل من خلالها مشاهد لما عاشه، ويرسم بدقة صورة مغاربة اضطرتهم الحاجة إلى مخر عُباب المجهول.

 

“ضاقت بي الأرض بما رحبت واسود أفق العيش أمامي، غلقت أبواب الدراسة وانعدمت فرص العمل، فبت أنسخ الأيام بلياليها شارد الذهن مكسور الخاطر، أحاول جاهدا البحث عن سبيل للخروج من الجحيم”.

“كنت جالسا في إحدى مقاهي مدينتي بن أحمد حيث ولدت، رفقة مجموعة من رفقائي الذين اعتدت مصاحبتهم، فاسترقت السمع من أحدهم أسر إلى صديق لنا مشترك بوجود فرصة مغادرة الوطن صوب أوربا، النعيم المفقود، لم أتردد في استفساره عن الأمر، أبديت رغبتي الملحة في خوض المغامرة بما فيها من مخاطر، فوافق الشاب على مدي برقم أحد وسطاء الهجرة غير الشرعية، “حراك”، يقطن في ليبيا، وأشار علي بإبقاء الأمر سرا إلى حين المغادرة، اتصلت به وأخبرته عن ظروفي ورغبتي في الهجرة، فوافق مشترطا عدم مفاوضته في المبلغ الذي سيطلب، 1000 أورو غير قابلة للمناقشة، يتسلمها عند الحدود الليبية التونسية، حيث سنلتقيه”.

“اقترضت المبلغ المالي من معارف ومقربين، بذريعة احتياج الوالدة دواء مستعجلا، اقتنيت تذكرة طائرة متوجهة إلى تونس بمبلغ 2900 درهم، مكثت رفقة أربعة مغاربة يقاسمونني حلم الضفة الأخرى مدة أربعة أيام في مدينة جربة الواقعة جنوب شرق تونس في خليج قابس، في الأخير، رن الهاتف منعشا أملا مرتبكا، كان رقم هاتف من ننتظر كما لم نتوقع، استعجل قدومنا إلى مقهى تسمى “مراكش”، حملنا ما استطعنا من متاع ثم التحقنا بمخلصنا المفترض، وجدناه في عين المكان، تبادلنا نظرات ملؤها الدهشة والخوف واحتسينا كوب قهوة على عجل، ثم قادنا نحو المجهول، أخبرنا أنه يعتزم إدخالنا ليبيا في ليلتنا تلك، سرا بطريقة غير مشروعة طبعا، عبر منحنا تأشيرات سفر مزورة ألصقها في جواز سفر كل واحد منا، انطلت الحيلة على السلطات، وفجأة وجدنا أنفسنا وسط مدينة صبراتة الليبية المتاخمة لتونس”، هذه المدينة التي يتحدث عنها عادل، تقع عند الساحل غرب العاصمة طرابلس، قرب الحدود مع تونس، عانت مثل معظم المدن الليبية من اهتزاز الوضع الأمني والحرب التي تمخضت عن الثورة الليبية التي عصفت بنظام معمر القذافي، وعلى شاكلة كثير من المناطق، سيطر تنظيم الدولة الإسلامية في 22 فبراير من السنة الماضية على مديرية أمنها، واستوطن عدد من عناصره فيها، وقد تعرضت لقصف عنيف شنته طائرة تابعة للقوات العسكرية الأمريكية، يوم 19 فبراير، استهدف مسؤولا ميدانيا في التنظيم تونسي الجنسية، ونتج عن هذه الغارة مقتل نحو خمسين شخصا.

عند مدخل المدينة، سلم الوسيط عادل ومن معه إلى رجل بدا صاحب الأمر، “علمت عندها أنه الشخص الذي كلمني أول مرة، ومن التقانا في تونس ليس سوى عامل بسيط عنده، حشرنا داخل بيت متواضع وسط المدينة إلى جانب آخرين ممن سبقونا إليه، مكثنا مدة 15 يوما، تخللتها خلافات حادة بين رؤوس مافيات تهريب البشر، بلغت ذروتها في اليوم الخامس عشر، تزامنا مع تنامي غارات حرب متفرقة تنبؤ بقادم أسوأ، فلم نملك إلا أن نفر حفاظا على حياتنا، فمنا من توجه صوب مدن أخرى، ومنا من سعى في البحث عن قارب يبلغه مقصده، أما أنا وبعض المغاربة، فعزمنا العودة إلى ديارنا، وككل فار من الجحيم، لم يكن أمامنا سوى قصد مطار تونس، معبرنا الأوحد المتاح نحو الوطن، لكن للأسف كشف أمر تأشيراتنا المزورة، وصُددنا إلى مطار طرابلس، حيث ستعتقلنا شرطة مكافحة الهجرة غير الشرعية، لتبدأ رحلة معاناة أخرى أشد وأمر”.

ما حكاه عادل جزء فقط من فيض معاناة لا حدود لها، سرت على لسان غير واحد من أفراد أسر كثير من المغاربة العالقين في ليبيا، مبتداها حلم وردي ومنتهاها كابوس يقض مضجع الباحثين عن غد أفضل، السلطات متكتمة على الموضوع، لكنها “تعمل بخطى حثيثة ومتسارعة لحل الملف”، حسب تصريح عبد الكريم بنو عتيق، الوزير المنتدب لدى وزير الخارجية المكلف بالمغاربة المقيمين بالخارج وشؤون الهجرة، في مقابل ذلك، تتواصل احتجاجات الأسر مطالبة باستعجال إنقاذ أولادها قبل فوات الأوان، وتزعم أن أكثر من 360 مغربيا عالقون في ليبيا يواجهون مصيرا مجهولا، منهم عادل الذي حرص على إخفاء لقبه خشية تعرضه لمضايقات، يستأنف حكيه بمرارة ويقول: “مكثت خمسة أشهر في ليبيا، رأيت فيها الجحيم رأي العين، وبت أحلم بالعودة إلى حضن الديار وسط أسرتي ومن أحب، فضمانات الحياة أوفر هناك، رأيت كيف يساق الناس إلى الهلاك سوقا، شاهدت في القرن الواحد والعشرين بشرا يباع بأبخس الأثمان، يأتي زعيم القبيلة أو صاحب المال فيختار ما عرض أمامه من بضاعة بشرية، جلها أفارقة من دول جنوب الصحراء، ومصريون يلاقون أشد العذاب، يختار الأنسب له ويعطي مقابله قليلا من المال، ثم يأخذه ليعمل في مزرعته أو يقوم بعمل شاق آخر”.

كلام عادل يزكي ما بث قبل أيام من قبل قناة “سي إن إن” الأمريكية”، من خلال تحقيق ميداني يعري واقع العبودية في ليبيا ويكشف حقائق صادمة عن المتاجرة في البشر.

بالنسبة إلى المغاربة، فلا يقلون شقاء عن غيرهم، خصوصا القابعين في سجن يسمى “طاجورة” في مدينة طرابلس، حيث يحكي الشاب بحسرة، “يرشق المغاربة وفيهم القاصر والشيخ والعجوز، بكسرات خبر حاف في مشهد عاج بالمهانة والمذلة، تنعدم فيه أبسط شروط الكرامة الإنسانية، يرقد بعضهم فوق بعض، يعاني جلهم الأمراض وكلهم سوء المعاملة”.

“حرقة أبناء الوطن تحتد كلما رمقوا مسؤولا عن دولة أجنبية قدم ليطمئن مواطنيه ويعدهم بفرج قريب، يتعزز الإحساس بالدونية والاحتقار، وتفكر من جديد في جدوى العودة”، بالكاد يكمل العائد من الجحيم مضيفا، “كنا أكثر حظا من غيرنا، يقدم لنا صحن “معكرونة” صغير في وجبتي الغذاء والعشاء، وكنت أستعطف عاملا داخل معتقلنا يمدني بالهاتف أطمئن أسرتي في بضع ثوان، ولولا ألطاف الله وتجشم الأسرة إيجاد سبيل لمدي بقسط من المال ساعدني على العودة بمشقة للقيت مصيرا حتما سيكون سيئا، كمعارف لي قتلوا رميا بالرصاص عند امتطائهم قاربا مطاطيا استعدادا للتوجه نحو إيطاليا من مدينة زواغة”.