هل يجتث “هاتف رئاسة النيابة العامة” جذور آفة الرشوة بالمملكة؟

0
611

أولى المغرب، خلال السنوات الأخيرة، اهتماما لافتا لمحاربة الرشوة، من خلال عدد من الإجراءات التي اتخذتها الحكومة، تُوّجت بوضع الإستراتيجية الوطنية لمكافحة الرشوة سنة 2016، والتي يُعوَّل عليها لتقليص من انتشار هذه الآفة في أفق سنة 2025.

إجراء آخر بلوره المغرب للحد من الرشوة، ويتمثل في الخط المباشر للتبليغ عن الفساد والرشوة الذي أطلقته رئاسة النيابة العامة شهر ماي 2018، ومكّن من إسقاط عشرات المسؤولين المرتشين، بعد أن بلّغ بهم مواطنون وضُبطوا في حالة تلبّس بتلقّي رشىً.

رئاسة النيابة العامة وضعت محاربة الرشوة ضمْن أولويات السياسة الجنائية؛ ويُمكّن الخط الهاتفي المباشر، الذي فتحته الرئاسة ذاتها، المواطنينَ من التبليغ عما يتعرضون له من ابتزاز وما يتعرضون له أو يقفون عليه من مختلف صور الفساد.

وعلى الرغم من أهمية الخط المباشرة للتبليغ عن الرشوة، يرى فؤاد الزيراوي، عضو ترانسبارانسي المغرب، أنَّ نجاح هذا الخطّ في الحدّ من الرشوة رهين بعامليْن رئيسيّين؛ أولهما مَدى ثقة المواطن في جدوى هذا الخط ونجاعته، من أجل تحفيزه على التبليغ عن الرشوة.

العامل الثاني، يُردف الزيراوي، في تصريح لهسبريس، يتعلق بمدَى تفاعل المسؤولين بالنيابة العامة المكلفين باستقبال شكايات المواطنين المتعلقة بالرشوة مع الشكايات التي تَردُ عليهم والتعامل السريع والصارم معها، من أجل الضرب على أيدي المرتشين.

وتتمّ معالجة المكالمة المواطنين التي يحملها الخط الهاتفي المباشر سالف الذكر من لدن مركز الاتصال برئاسة النيابة العامة، وبعد ذلك تتم إحالتها على القاضي المكلف بعد التأكد من كونها تتعلق بإحدى جرائم الفساد.

وأكدت رئاسة النيابة العامة، في بلاغ إطلاق الرقم الهاتف المباشر للتبليغ عن الرشوة وغيره من ضروب الفساد، أنّ القضاة المكلفين بهذا النوع من التبليغات يقومون بربط الاتصال بالنيابة العامة؛ وذلك من أجل التنسيق معَ المبلغ لضبط المشبه فيه في حالة تلبس.

ويرى فؤاد الزيراوي أنَّ ثقة المواطن في الخط المباشر ستتأتى عبر السرعة في التعاطي مع الشكايات، والنزاهة والصرامة في التحريات مع المشتبه فيهم؛ لكنّه أشار إلى أنّ الإشكال الكبير، الذي يعاني منه المغرب في ما يتعلق بالرشوة، هو أنّ العقاب لا يطال سوى “المرتشين الصغار”.

وأردف المتحدث: “صحيح أنّ الرشوة الصغيرة تمسّ المواطن؛ ولكنّ الرشوة الأشد خطورة، والتي تشكل خطرا على الاقتصاد الوطني وتحرم المواطنين من العيش الكريم، تكمن في الرشوة الكبرى التي لمْ تخْطُ الدولة إلى حد الآن أيّ خطوة في محاربتها على الرغم من خطورتها الشديدة”.

من جهة ثانية، تطرح الدورية الصادرة عن رئاسة النيابة العامة، والمتعلقة بحماية الحياة الخاصة للأشخاص، إشكالا كبيرا، إذ ستعرّض أي مواطن يقوم بتصوير عملية تعرضه للابتزاز في مكان خاص إلى مساءلة قانونية.

وترى الجمعية الوطنية لمحاربة الفساد أنّ تجريم التصوير داخل الإدارات والمؤسسات العمومية “إجراء يحمي المقصّر والمتغطرس والفاسد، وله سلبيات كثيرة على الوطن وعلى المواطنين”، معتبرة أنّ جميع المسؤولين يجب أن يكونوا تحت مظلة القانون، وأن مقرات عملهم ليست أماكنَ خاصة.

واعتبرت الجمعية سالفة الذكر، في بلاغ صادر عنها، أن تجريم التصوير داخل الإدارات والمؤسسات العامة والخاصة “هو دعوة صريحة لغض البصر عن الفساد والمفسدين، وتناقض صارخ مع الدستور ومضامين الخطب الملكية التي أكدت في أكثر من مناسبة على ضرورة ربط المسؤولية بالمحاسبة”؛ غير أنَّ محاربة الرشوة والفساد لا يُمكن أنْ يتأتّى فقط عبر الإجراءات الزجرية، وإن كانت أساسية، بل يتطلب، أيضا، مقاربة تربوية، حسب فؤاد الزيراوي، موضحا “في الدول الإسكندنافية، مثلا، يتدنّى مستوى انتشار الرشوة، لأن تلك الدول تعتمد مقاربة شاملة، تتضمن ما هو قانوني وزجري وتربوي أيضا، حيث تُبنى منظومة المواطنة على أساس الصالح العام”.