إعفاء حكومة كاتالونيا .. إنهاء للأزمة أم تمهيد لحالة الاستثناء؟

0
20

بعد انتهاء المدة الثانية الموجهة من قبل الحكومة المركزية إلى الحكومة المستقلة بكاتالونيا من أجل إعادة الوضع والنظام الدستوري، وتوضيح ما إذا أعلن الاستقلال أم لا؟، فإن الحكومة الإسبانية عقدت مجلسا استثنائيا للوزراء، من أجل المصادقة على تطبيق المادة الـ155 من الدستور الإسباني؛ غير أن هذه المصادقة ليست آلية في التطبيق، بل تحتاج إلى مصادقة مجلس الشيوخ.

وقد تجاوزت حكومة مدريد الغموض الذي يلف المادة الـ155 وتناقض فقهاء القانون الدستوري حيالها، بمصادقتها على طلب إعفاء رئيس الحكومة المستقلة وكافة مجلسه الحكومي، وتحدي صلاحيات رئيسة البرلمان المحلي لكاتالونيا كي لا تتولى رئاسة الحكومة المستقلة بعد شغور المنصب، ليس إعفاء كارلس بويدجيمونت مثلما، لا تحل البرلمان المحلي، ولا تسمح باستعمال القوة العسكرية، وسيبقى السؤال مستمرا حول مدى كفاية مبدأ الحلول الذي ينص عليه في التغلب على الأزمة.

الخطر على المصلحة العليا لإسبانيا ومبرر استعمال التدابير الردعية

تنص المادة الـ155 من دستور إسبانيا على أنه إذا لم تنفذ جماعة مستقلة الالتزامات الدستورية أو قوانين أخرى مفروضة عليها، أو تتصرف بشكل خطير على المصلحة العليا لإسبانيا؛ فإن الحكومة، وبعد مطالبة رئيس الحكومة المحلية وفِي حالة عدم الاستجابة، وبموافقة أغلبية أعضاء مجلس الشيوخ، يمكنها اتخاذ التدابير الضرورية لإجبارها على تنفيذ تلك الالتزامات أو لحماية المصلحة العامة. ولتنفيذ تلك التدابير، فإن الحكومة توجه التعليمات إلى كافة السلطات في الأقاليم المستقلة ذاتيا، وهو مبرر الحكومة “restaurar el orden constitucional y preservar el interés general”.

وهكذا، إن انعقاد مجلس الوزراء الإسباني ومصادقة الحكومة المركزية بمدريد على توليها كافة صلاحيات رئيس الحكومة المستقلة كارلس بىدجيمونت، وإعفائه هو ومجلسه وتحديد صلاحيات رئيسة برلمان كاتالونيا لعدم تربيتها لرئاسة جنرالتات، وتعيينها لممثل للحكومة المركزية يتولى المفيد المباشر والتنسيق بين مؤسسات الحكومة المستقلة بكاتالونيا لتنفيذ تلك صلاحياتها وتوجيهاتها في الأمن، وبالضبط الشرطة الكاتالونية “موسوس إسكوادرا، والمالية وغيرها والتكنولوجيا وغيرها، ومن أجل ضمان حياد المؤسسات”asegurar la neutralidad institucional”.

ولا يعتبر القرار المتخذ في المجلس الوزاري آليا، بل يحتاج إلى تفعيل مسطرة إجرائية بتقديم الحكومة بطلب إلى مجلس المستشارين. وهذا الطلب يجب أن يتضمن تحديدا لهذه للصلاحيات المطلوبة، ومرفوقا بوسائل دفاعها، وخاصة التذكير الموجه إلى رئيس الحكومة المستقلة، طبقا للمادة الـ189من نظامه الداخلي، وباعتبار غرفة المستشارين للتمثيل الترابي لإسبانيا (المادة الـ66 من الدستور).

وتعطي المادة الـ189 من الدستور الحق لمجلس المستشارين لتعيين لجنة مستقلة، أو من لجان مجلس المستشارين المكلفة بالإدارات المحلية للاتصال بالحكومة المستقلة بكاتالونيا، وتمكينها من فرصة وصيانة حق دفاعها عن طلبات الحكومة المركزية.

وبعد إعداد اللجنة لتقريره في الطلب تتم المناقشة في مجلس المستشارين، حيث تمنح مدة عشرين دقيقة للطرفين، الحكومة المركزية بمدريد والحكومة المستقلة لكاتالونيا لبسط أوجه دفاع كل فريق والتعبير عن موقفه، وبعد انتهاء المناقشات يعرض الطلب على التصويت.

وتستفيد حكومة الحزب الشعبي برئاسة ماريانو راخوي من أغلبيتها في مجلس المستشارين، بالإضافة إلى تأييد الحزب الاشتراكي وسيودادانس، بحيث إن هذه الأغلبية الموسعة تضمن لها المصادقة في مجلس المستشارين.

وبالتبعية، فإن ما سيصادق عليه مجلس الوزراء، يوم السبت، سيحصل على نفس مصادقة مجلس المستشارين؛ غير أن هذا الاتفاق ليس مجاني بل من أجل الدعوة إلى تنظيم انتخابات سابقة لأوانها في كاتالونيا في يناير المقبل أو بعد ستة أشهر على أبعد تقدير.

استعمال المادة الـ155 يجعل من الحكومة المحلية شكلية وبدون صلاحيات

تجدر الإشارة إلى أن المادة الـ155 من الدستور لا تتحدث عن إقالة الحكومة المستقلة أو إعفائها، مثلما لا تسمح بحل برلمان الإقليم المستقل لكاتالونيا؛ غير أن تولي الحكومة المستقلة لمدريد لكافة صلاحيات واختصاصاتها بواسطة تعيين ممثل لها بعد تفعيل المادة الـ155 من الدستور جعل الرأي يميل أخيرا إلى إعفاء الحكومة المستقلة، لأنها ستكون مزعجة بالتصريحات وسببا لتحريض ساكنة كاتالونيا ضد الحكومة المركزية، والخلفية نفسها تحكمت في تحديد صلاحية رئيسة البرلمان فرديا في تولي رئاسة الحكومة المحلية بسبب إعفاء كارلس بويدجمونت..

كما أن الادعاء العام مستعد لمواجهة أي إعلان بالاستقلال من لدن كارلس بويدجمونت بشكاية واتهام من أحل التمرد والعصيان، وهي الجريمة المنصوص عليها في المادة الـ544 من القانون الجنائي الإسباني ويصل حد عقوبتها الشديدة إلى 30 سنة سجنا نافذة، وهو نفسه المادة الذي توبع وعوقب به محاولي انقلاب 23 فبراير 1981.

تفعيل المادة الـ155 وحاجة مدريد إلى تشديد التدابير بإعلان حالة الاستثناء

قد يظهر من تطبيق المادة الـ155 من الدستور أنها غير كفيلة باحتواء الأزمة، وأن كل الصلاحيات التي طلبت الحكومة المركزية من مجلس المستشارين الموافقة على إسنادها إليها غير قمينة بإعفاء رئيس الحكومة المحلية وكل مجلسها؛ وهو أمر وارد ومحتمل جدا، خاصة أن المادة الـ155 لا تسمح باستعمال القوة العسكرية..

ولهذه الأسباب، فإن الحكومة المركزية تملك خيارات أخرى صعبة وأشد، إذ إن الحكومة المركزية في مدريد قد تكون مضطرة في حالة استفحال الأزمة بظهور عصيان مدني، أو مقاومة بالعنف أن تلجأ الى استعمال المادة الـ116 من الدستور الإسباني التي تتحدث عن إعلان حالة الطوارئ والاستثناء ومنع التجوال، الذي يتم بمرسوم، ولكل حالة ضوابط خاصة، ومدد مختلفة خاصة بها، وشروط استثنائية لتطبيقها، مثلما تختلف الجهة التي تصادق عليها بين من تؤول لمجلس النواب وأخرى لمجلس الشيوخ.

على سبيل الختم

أكيد أن الأزمة بدأت!، وأكيد أنها قد تطول! وأكيد أن كل فريق أصر وأعد العدة والخطة، والتصور! بين بقاء كاتالونيا إسبانية ومعالجة الأزمة دستوريا كما قال الملك دون فليبي السادس “un inaceptable intento de secesión en una parte de su territorio nacional, y lo resolverá por medio de sus legítimas instituciones democráticas”. وبين دعاة انفصالها.

وأكيد أن الخسارة والضرر أكيدين للجميع!، وهو تصور جرى التكهن به لدى اللجنة التأسيسية المعدة للدستور، ولدى رواد التوافق والشعب الإسباني سنة 1978، الذين ذاقوا مرارة الحرب الأهلية، فهل يدرك الجيل الحالي أهمية الاهتداء إلى التوافق بين مكونات إسبانيا المختلفة وجدواه ويجنب إعادة آلام التاريخ آخرها الحرب الأهلية والحكم القاسي لفرانكو.