إلى أين يتجه الوضع الداخلي في لبنان بعد انفجار “مرفأ بيروت”؟

0
242

أفادت ورقة بحثية، منشورة في مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، أن انفجار مرفأ بيروت -على ضخامته وفداحة الخسائر المترتبة عنه- لم يكن سوى أحد تجليات تصدع مؤسسات الدولة في لبنان وإخفاقها في أداء وظائفها الأساسية.

وأوضحت المقالة التحليلية، المعنونة بـ”إلى أين يتجه الداخل اللبناني بعد انفجار بيروت؟”، أن الاقتصاد اللبناني تعرض لهزات قوية في الآونة الأخيرة، كان أبرزها انهيار قيمة العملة الوطنية، وتضاؤل المصادر الأساسية للدخل نتيجة جائحة “كورونا”.

وأشار المركز البحثي إلى هيمنة الاستقطاب السياسي والجدل حول سلوك حزب الله والتعامل الرسمي مع أنشطته العابرة للحدود على المشهد السياسي، بالتوازي مع موجات متتالية من الاحتجاجات الشعبية للمطالبة بالإصلاح السياسي.

ويرجح أن يكون انفجار مرفأ بيروت نقطة تحول جوهرية في المشهد اللبناني، حيث سيؤدي إلى اختراق لبنان للعزلة الداخلية، وحصوله على الدعم من القوى الخارجية، مع تزايد حدة التوترات الداخلية، التي ربما تنتج عنها إعادة ترتيب المشهد السياسي اللبناني.

ولفتت الورقة الانتباه إلى معاناة لبنان من عدة سياقات داخلية معقدة قبل الانفجار، وهو ما يمكن الإشارة إليه فيما يلي:

1- هيمنة تيار واحد: استغلت قوى الثامن من آذار رغبة القوى الأخرى (تيار المستقبل، والحزب التقدمي الاشتراكي، والقوات اللبنانية) عدم المشاركة في الحكومة الجديدة، تلبية لمطلب الشارع بتشكيل حكومة من المستقلين، وقامت بتشكيل حكومة جديدة موالية لقوى الثامن من آذار.

2- مشروع “حياد لبنان”: قام البطريرك بشارة الراعي بإعادة طرح مشروع حياد لبنان، حيث اعتبر في يوليوز 2020 أنه “لا خلاص للبنان إلا بنظام الحياد”، مشددا في حديث لاحق في يوليوز أيضا أن “هيمنة حزب الله وتحالفاته خلقت أزمة سياسية واقتصادية ومالية حادة للغاية”، مما أدى إلى ترك لبنان “وحيدًا ومحرومًا من الأمريكي أو الأوروبي”.

3- التوجه شرقاً: عبر عنه بشكل صريح أمين عام حزب الله حسن نصرالله في خطاب متلفز في 7 يوليوز 2020، حيث قال: “إن الشركات الصينية حاضرة للاستثمار في لبنان، وعلى الحكومة اللبنانية التواصل معها”. كما أعلن أن “الحكومة الإيرانية مستعدة لبيع مشتقات نفطية للبنان وبالليرة اللبنانية”. كما دعا نصرالله إلى التوجه نحو الزراعة في أي منطقة متاحة، سواء في الريف أو المدن، وتبنّي النموذج الإيراني في الاقتصاد، مضيفا أن “إيران صمدت 40 سنة تحت العقوبات، وفي لبنان بعض العقوبات والتهديد والتخويف تدفع بجزء من الناس إلى استعجال الاستسلام والخضوع”.

كما تطرقت المقالة إلى الاستجابات الخارجية لتعقيدات المشهد السياسي الداخلي اللبناني في مرحلة ما قبل حدوث انفجار مرفأ بيروت، وتتمثل في النقاط التالية:

1- تهديدات واشنطن: استدعى طرح حسن نصرالله فكرة التعاون النفطي مع إيران ردّا حاسما من وزير الخارجية الأمريكية مايك بومبيو في 9 يوليوز، الذي هدد بفرض عقوبات على لبنان إذا وقّع اتفاقا مع طهران لاستيراد النفط، واضعا هذا الإجراء -إن حدث- تحت خانة خرق العقوبات المفروضة على إيران. وأضاف “إننا سنفعل كل ما نستطيع لنمنع إيران من تصدير نفطها إلى أي مكان، بما في ذلك إلى حزب الله”.

2- المطالبة بتنفيذ الإصلاحات: توالت المواقف العربية والدولية، التي ذكّرت لبنان بضرورة القيام بالإصلاحات المطلوبة، حيث شدّد وزير خارجية فرنسا جان إيف لودريان على المسؤولين اللبنانيين، الذين التقاهم في يوليوز 2020 خلال زيارته لبيروت، أن عليهم أن يساعدوا أنفسهم كي يساعدهم المجتمع الدولي. كما طالب صندوق النقد الدولي بتوحيد أرقام الخسائر المتباينة بشدة بين خطة الحكومة وتقديرات مصرف لبنان. فيما شدد المسؤولون الكويتيون الذين التقاهم المبعوث الخاص للرئيس اللبناني على ضرورة التزام الحكومة اللبنانية بسياسة النأي بالنفس.

3- الضغط على حلفاء حزب الله: أوصت ورقة مقدمة من قبل لجنة الدراسات في الحزب الجمهوري في مجلس النواب الأمريكي في يونيو 2020 بتوسيع العقوبات، وعدم اقتصارها على شخصيات مؤيدة لحزب الله، وشمولها قادة لبنانيين متحالفين مع الحزب كرئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، على اعتبار أن ممارسة الضغوط الغربية على الحليف المسيحي لحزب الله يمكن أن تثمر تباعدا في الأجندة السياسية، وبالتالي إضعاف حزب الله.

واختصرت الورقة تداعيات الانفجار المرشحة للتطور خلال الفترة القادمة فيما يلي:

1- اختراق العزلة الدولية: إذ تعاطفت العديد من الدول مع المأساة التي أصابت العاصمة اللبنانية بيروت، وأعلنت عن تقديمها مساعدات إنسانية وطبية كدولة الكويت عبر إرسال طائرات من المعدات الطبية إلى لبنان. فعلى سبيل المثال أعلنت الإمارات تقديمها مساعدات إنسانية عاجلة للمتأثرين بانفجار مرفأ بيروت في لبنان، تتضمن أدوية ومعدات طبية، إضافة إلى مواد ضرورية أخرى.

كما أعلن الأردن عن استعداده لنقل مستشفى عسكري إلى بيروت، وجهزت هولندا فريقا من 67 عاملًا إنسانيا بين أطباء وإطفائيين. كما أعلنت التشيك واليونان عن إرسال مسعفين، فيما جهزت فرنسا عدة أطنان من المعدات الطبية لإرسالها إلى بيروت، بالإضافة إلى مساهمات العديد من الدول الأخرى. وكان رئيس الحكومة اللبنانية حسان دياب قد وجه في وقت سابق نداء عاجلا إلى جميع الدول الصديقة من أجل المساعدة.

2- دعم القوى الخارجية: قررت السطات الفرنسية فتح تحقيق حول الانفجار في مرفأ بيروت، حيث يُعتبر القانون الجنائي الفرنسي صاحب صلاحية للنظر في مثل هذه القضايا خارج الحدود الفرنسية في حال وجود ضحايا من الجنسية الفرنسية. في المقابل عارض الرئيس اللبناني ميشال عون الدعوات لإجراء تحقيق دولي في أسباب الانفجار، وقال إن السلطات اللبنانية ستحقق بنفسها لتعرف ما إذا كان الانفجار مدبراً أم لا.

3- تزايد حدة التوتر الداخلي: اعتبر رئيس الحكومة حسان دياب أنه من غير المقبول بقاء 2750 طنّا من نيترات الأمونيوم منذ ست سنوات في عنابر المرفأ بدون الأخذ بالاحتياطات. وتعهد بعدم السكوت، وبالقيام بتحقيق لمعرفة المسؤول عن هذا الإهمال. ولاحقا أخذت الحكومة اللبنانية قرارا بوضع المسؤولين الإداريين عن المرفأ تحت الإقامة الجبرية حتى الانتهاء من التحقيق.

4- برنامج صواريخ حزب الله: تم تداول فيديو قديم نسبيا لحسن نصرالله بعد حدوث الانفجار يتحدث فيه بشكل تهديدي عن تخطيطه لاستهداف حاويات الأمونيا في حيفا، مما قد يتسبب بعشرات الآلاف من القتلى. كما تم تناقل عدة تقارير عن الصحافة الألمانية أوردت فيها معلومات تربط بين ناشطين في حزب الله بألمانيا وتخزينهم مادة نيترات الأمونيوم.

كما تم استرجاع المعلومات التي نُشرت سابقا حول برامج تطوير وتعديل ترسانة صواريخ حزب الله محليّا، وإعلان حسن نصرالله في نهاية 2018 عن امتلاكه سلاحا كاسرا للتوازن، وربط كل ذلك بالسيطرة غير المباشرة لحزب الله على مرافق النقل في الدولة اللبنانية كالمطار والمرفأ والمعابر الحدودية، خصوصا مع ترجيح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرضية أن انفجار بيروت ناتج عن هجوم بقنبلة من نوع ما.

5- تداعيات اقتصادية حادة: حدث الانفجار تزامنا مع تفشي الموجة الثانية لـ”كورونا” في لبنان، والتي اعتُبرت أقسى من الأولى (حوالي 200 إصابة في اليوم)، والتي بدأت بالاقتراب من تخطي القدرة الاستيعابية للقطاع الاستشفائي في لبنان. وقدر رئيس بلدية بيروت جمال عيتاني، في حديث لوكالة “رويترز”، حجم الخسائر الناتجة عن الانفجار بعدة مليارات من الدولارات، فيما حصرها محافظ مدينة بيروت بين 3 و5 مليارات دولار.