عاشت المنطقة اليوم الخميس حدثا استثنائيا، يتمثل في أول زيارة للمبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة للصحراء، ستيفان دي ميستورا، في سياق خاص، يتسم بالتوتر السياسي والميداني في المنطقة، وتوقف المسار الأممي لسنتين منذ استقالة المبعوث السابق هورست كولر، وتغير كبير في موازين القوى، بين الإنجازات الدبلوماسية الكبيرة التي بات المغرب يحققها في ملف الصحراء مقارنة مع حقبة كولر، على رأسها الاعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية على الأقاليم الجنوبية، ووسط خلافات حادة تعيشها الجبهة الانفصالية عكسها تضارب التصريحات بين قيادتها، في ظل ما باتت تتجرعة من انتكاسات سياسية وعسكرية.
محمد سالم عبد الفتاح، رئيس المرصد الصحراوي للإعلام وحقوق الإنسان، توقف في حديثه عند سياقات زيارة دي ميستورا للمنطقة، والتي ستشمل الرباط وتندوف وعواصم دول الجوار، الجزائر وموريتانيا، ورهاناتها على المستوى السياسي والأمني والإنساني، كما كشف تفاصيل ما تعيشه جبهة “البوليساريو” كتنظيم سياسي وعسكري من فوضى وترهل وشغور زعامتها منذ مرض إبراهيم غالي؛ والتي يرى أنها ستقوض موقعها في الوساطات والمساعي الدولية في المنطقة.
ما هي سياقات أول زيارة للمبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة للصحراء ستيفان دي ميستورا، ثلاثة أشهر بعد تسميته؟
تأتي زيارة مبعوث الأمين العام الأممي الجديد للصحراء ستيفان دي ميستورا، في سياق جيوسياسي خاص، بعد مرور أكثر من سنتين على استقالة المبعوث الأممي السابق الألماني هورست كولر، وبعد فترة طويلة من الجمود والركود السياسيين الذي عاش على وقعهما ملف النزاع بعد توقف مسار التسوية الأممي، وتعثر انعقاد المفاوضات بين الأطراف، في ظل غياب خليفة للألماني كولر، ما كرَّس حالة تباعد وجهات النظر المعبر عنها من لدن الجهات المعنية بالنزاع.
وبالرغم من التوتر السياسي والميداني الذي تشهده المنطقة على أكثر من صعيد، سواء تعلق الأمر بـ”الأعمال العدائية” التي تعكف عليها البوليساريو ببياناتها العسكرية، أو بالخطوات التصعيدية التي أقدمت عليها الجزائر، والتي همت قطع علاقاتها مع المغرب وغلق أجوائها في وجه طيرانه من ضمن خطوات أخرى. لكن المبعوث الأممي الجديد سيكون مآزرا بقرار مجلس الأمن الدولي الأخير رقم 2602، الصادر في أكتوبر المنصرم، والذي أكد على المقاربة العقلانية والواقعية المتمثلة في الحل السياسي المتوافق عليه.
كما أكد (مجلس الأمن) على توصية الأمين العام الأممي، بضرورة إشراك الجزائر كطرف في الطاولات المستديرة التي يعمل ديمستورا على التحضير لها، باعتبارها (الجزائر) طرفا معنيا بالنزاع حول الصحراء.
أول زيارة لدي ميستورا للمنطقة سنتين بعد استقالة كولر، ينتظر أن تشمل كل الأطراف، ما هي الرهانات المعقودة عليها؟
لا شك أن ستيفان ديميستورا سيحاول استطلاع الأجواء بداية بهدف إذابة الجليد الذي طبع الملف، لأجل التحضير لانعقاد الجولات الجديدة المرتقب انعقادها من خلال الطاولات المستديرة التي دعا إليها الأمين العام الأممي، وأكد عليها قرار مجلس الأمن الأخير.
وفي هذا الإطار سيراهن أيضا على مساعدة البوليساريو على النزول من أعلى شجرة التصعيد الميداني التي لا تزال عالقة فيها، بعد وصول حربها المزعومة لرقم 426 بيانا يوميا، دون أي أثر ملموس على الأرض، كما سيعمل على تهيئة الأجواء لتجاوز العلاقات المغربية الجزائرية لحالة التوتر والتصعيد التي شهدتها طوال الأشهر الماضية، باعتبار أنهما الطرفان الأكثر تأثيرا في النزاع.
يبقى أيضا الجانب الإنساني حاضرا في اهتمامات المبعوث الأممي الجديد باعتباره مدخلا لإمكانية إعادة بناء الثقة ما بين الأطراف، بعد أن أكدت عديد القرارات والتوصيات الأممية على محورية الاعتناء بتداعيات النزاع على واقع حقوق الإنسان، حيث سيركز على أوضاع اللاجئين بتيندوف التي باتت مثارة بقوة في المحافل الدولية سواء على مستوى مجلس حقوق الإنسان أو الجمعية العامة التابعين للأمم المتحدة.
ولا شك أن دي مستورا سيوظف خبرته في التعاطي مع قضايا اللاجئين في نزاعات دولية سبق له الاشتغال عليها. بما في ذلك العمل على تكريس “حق العودة” المنصوص عليه في عديد الاتفاقيات الحقوقية الدولية، ولربما إعمال الآليات المتعارف عليها أيضا من قبيل الممرات الآمنة والمناطق العازلة، بهدف ضمان تنقل آمن للاجئين.
التحديات الأمنية التي يشهدها الجوار الإقليمي ستكون محور اهتمام المبعوث الأممي الجديد أيضا، خاصة الأوضاع التي تشهدها مالي وعديد بلدان الساحل، بالنظر لانعكاسها على النزاع في الصحراء، حيث تتحدث بعض التقارير الدولية عن اختراق بعض الجماعات المسلحة في دول الساحل لمخيمات تيندوف؛ في حين حذر الأمين العام الأممي في تقريره الأخير حول الصحراء من المخاطر الأمنية المتفاقمة للجريمة المنظمة في مناطق شرق الجدار.
ما هي التغيرات التي سجلت في الملف بين عهد كولر ووضع الملف بين يدي دي ميستورا؟
على المستوى الميداني شهد النزاع تطورات عديدة غيرت موازين القوى في المنطقة، وأفضت إلى وضع جيوسياسي مغاير لما قبل 13 من نونبر 2020، كان أهم هذه التطورات العملية الأمنية التي شنها الجيش المغربي لتأمين منطقة الكركرات، ما شكل خسارة استراتيجية بالنسبة للبوليساريو التي أعلنت مباشرة تنصلها من اتفاق وقف إطلاق النار، لتنخرط في مسلسل إصدار البيانات العسكرية.
لاحقا ستتحث عديد التقارير عن مجموعة من العمليات النوعية التي يشنها الجيش المغربي في مناطق شرق الجدار، من خلال الطائرات بدون طيار، والتي أفضت إلى خسائر معتبرة في صفوف البوليساريو، في العتاد ثم مصرع قيادات عسكرية هامة في صفوفها، أبرزهم قائد دركها الذي كان بصدد استطلاع الوضع قرب الجدار، الأمر الذي أدى لما يمكن وصفه بالسيطرة الجوية المغربية الكاملة على تراب الإقليم، بما في ذلك مناطق شرق الجدار طبعا.
تطورات تنضاف إلى الانتصارات الدبلوماسية الهامة التي حققها الجانب المغربي، وفي مقدمتها الاعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية على الصحراء، وهو القرار الذي توج مسلسل افتتاح عديد القنصليات الأجنبية في مدينتي العيون والداخلة، في أرقى أشكال الاعتراف بالسيادة. إضافة إلى الاختراق الذي حققه المغرب على المستوى الإقليمي والقاري، بفضل الجهود الدبلوماسية والاقتصادية التي بذلها على مستوى عديد الدول، والتي أفضت إلى اختراقه لعديد “القلاع” في وسط وجنوب القارة الإفريقية التي كانت تدعم البوليساريو سابقا.
موقف موريتانيا أيضا بدأ يشهد تغيرا ملحوظا في تعاطيه مع ملف النزاع، باعتبارها طرفا معنيا ومشاركا في الطاولات المستديرة أيضا، حيث تعاطت بشكل إيجابي مع عملية التأمين التي شنها الجيش المغربي في الكركرات، وعملت على تشغيل بوابتها الحدودية مباشرة، كما أقدمت على تعزيز تواجدها العسكري في مناطقها الشمالية التي أعلنت حظرها على المدنيين، تزامنا مع التصعيد الذي أعلنت عنه البوليساريو، ما سيؤدي بحسب مراقبين إلى عرقلة تحركات البوليساريو الميدانية في المناطق الحدودية.
مقابل ما حققه المغرب خلال هذه الفترة في ملف الصحراء، بماذا يتسم الوضع داخل جبهة “البوليساريو” وهي تستعد لاستقبال دي ميستورا؟
مواقف البوليساريو مؤخرا بدت متناقضة، وكشفت عن فوضى وترهل يعيشه تنظيمها السياسي، في ظل تعارض التصريحات المعبر عنها من طرف مسؤوليها وقيادييها، ففي حين عبر مستشار زعيمها البشير مصطفى السيد عن استعداد الجبهة للدخول في مفاوضات مباشرة مع المغرب، فقد ربط ممثلها بنيويورك محمد عمار بين تعاطي البوليساريو مع الجهود والمساعي التي تبذلها الأمم المتحدة لحل النزاع، وبين سعي المبعوث الأممي الجديد لما وصفه بإعادة الوضع لما كان عليه قبل 13 من نونبر 2020، أي قبل عملية تأمين المغرب لمعبر الكركرات.
في السياق ذاته تم تسريب مراسلة سرية بشكل يبدو أنه متعمد، وجهها ممثل البوليساريو بنيويورك نفسه إلى مسؤول خارجية البوليساريو محمد سالم ولد السالك، وطالبه فيها بتفادي التصريحات الارتجالية والمتعددة إزاء الزيارة المرتقبة للمبعوث الأممي الجديد للمنطقة، ما بيّن تجاوز عمار لتراتبية التنظيم المفترضة والتي تضع ولد السالك في مرتبة قيادية أعلى من ولد عمار، الأمر الذي يؤشر على الصراع الداخلي الذي تشهده صفوف قيادة الجبهة.
مواقف قيادة البوليساريو يمكن ربطها بالسباق المحموم بين عناصرها لخلافة إبراهيم غالي الذي ظل غائبا عن الساحة بسبب وضعه الصحي المتدهور، كما ساهمت المتابعات القضائية التي تلاحقه بتهم خطيرة كالتعذيب والقتل خارج القانون، إلى جانب افتضاح تهريبه للعلاج بإسبانيا، في احتراق صورته كزعيم للبوليساريو، الأمر الذي سيقوض موقع البوليساريو في الوساطات والمساعي الدولية في المنطقة، بسبب حالة الشغور التي تشهدها زعامتها.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا