كاتب “حلوة يا بلدي” يروي حكاية مركب فاروق بقلب أم كلثوم وعقل ديكارت

0
146

في صالون ثقافي استضافته الرابطة الفرنسية في أبوظبي بالتعاون مع المعهد الفرنسي والمكتبة الفرنكوفونية “كلتشر أند كو”، تحدث جيلبير سينويه، الكاتب الفرنسي ذو الأصول العربية، عن آخر رواياته “الصقر” وعن مساره الفني الأدبي الذي يقارب نصف قرن، انتقل خلاله بين فنون عديدة شملت العزف على القيثار الذي درسه واحترفه، ثم كتابة كلمات أغان لمشاهير، قبل أن ينتهي به المطاف في رحاب الرواية التاريخية التي تفرغ لها وألف فيها أكثر من 30 رواية ترجم معظمها إلى نحو 15 لغة وحقق عدد منها أفضل المبيعات. وهذا ما دفع الرابطة الفرنسية إلى إطلاق اسمه على مكتبتها الفرنكوفونية، خلال استضافته على هامش الدورة الثلاثين لمعرض أبوظبي الدولي للكتاب.
ولد سينويه في القاهرة عام 1947 وعاش فيها نحو عقدين، كما عاش في لبنان ثلاث سنوات قبل أن يحط رحاله الأخير في فرنسا. ولعل هذا الامتزاج الشرقي الغربي هو ما جعل سينويه يقول إنه يشعر بأن له قلب كوكب الشرق أم كلثوم وعقل فيلسوف الغرب ديكارت.
يقول الكاتب الفرنسي ذو الأصول العربية إن الشيخ زايد رجل صاحب رؤية، ويعد من الشخصيات الاستثنائية في المنطقة. لم يكن يعرفه حينما زار الإمارات أول مرة؛ لكن كثرة حديث الناس عنه أثارت فضوله. اعتبر سينويه، خلال ندوة الرابطة الفرنسية، أن الشرق الأوسط حظي باثنين من القادة العظام هما الحبيب بورقيبة والشيخ زايد؛ فزايد هو بدوي تعلق قلبه برمال الصحراء وبصيد الصقور، وكان صاحب رؤية استشرافية سخرها لخدمة شعبه وليس نفسه. فهو رجل بدوي يعتز ببداوته، ومن المؤسف والمخزي أن وزيرا لبنانيا استخدم صفة “بدوي” مؤخرا بشكل قدحي، يضيف سينويه. فعندما تولى زايد السلطة لم يكن في بلده سوى الرمال؛ لكنه رسم صورة مستقبل بلده على تلك الرمال وحققها.

زايد شخصية روائية

زايد بالنسبة إلى سينويه يخدم الشخصية الروائية أكثر من الشخصية الوثائقية. كانت تبدو فكرة “رواية” عن الشيخ زايد حينها فكرة مجنونة؛ لأن كل المؤلفات التي كتبت عن زايد كانت أعمالا تاريخية توثيقية. يقول سينويه إنه ممتن لكل من ساعده في كتابة “الصقر”، وخصوصا علي بن تميم الذي دعمه وزكي نسيبة الذي عاصر المرحوم زايد وكان مستشاره وترجمانه وفتح باب بيته وأتاح له الوصول إلى كل المصادر التي احتاج إليها لكتابة روايته.
خلال كتابة روايته “الصقر”، اهتم الكاتب الفرنسي ذو الأصول العربية أكثر بطريقة نظرة الأوروبيين الذين عرفوا زايد والتقوه. يصفه بأنه كان صريحا مباشرا.
ويبوح سينويه بأن بعض الإماراتيين عاتبوه لكونه لم يتحدث في هذه الرواية عن الذين عملوا مع الشيخ زايد. ويقول إنه تقبل ذلك العتاب بصدر رحب؛ لكنه يضيف أنه فعل ذلك عمدا، إذ لم يكن يريد أن يسمع فقط من يمدح ويثني، بل كان يستخدم عقله الديكارتي للبحث أيضا عن النقد. مع ذلك، يعترف بأنه لم يجد لدى كل من سألهم عن زايد من عرب وعجم غير المدح والإطراء في حق زايد.

الـ”أنا” ولعبة المرايا

استلهم سينويه استعمال ضمير المتكلم في رواية “الصقر” من روية “رباعية الإسكندرية” للأديب البريطاني لورانس داريل، التي قرأها في صغره؛ فهذا الكتاب كان بالنسبة إليه كشفا جديدا، فـ”رباعية الإسكندرية” هي قصة حب يرويها أربعة أشخاص، وكل شخص يحكي رؤيته لقصة حب عاشها زوجان. كانت تلك لعبة مرايا؛ فعندما ترى شخصين محبين وتعيش قصة حبهما، سيكون لك رؤية ما كانت لتتبلور لديك لولا معاينة ذينك الحبيبين. من ثم، أحب سينويه أن يطبق هذه الطريقة مع الشيخ زايد، ويجعل شخوصا أخرى في الرواية يتحدثون بصيغة الـ”أنا” في لعبة المرايا هذه.
وأفاد الكاتب الفرنسي ذو الأصول العربية بأن التواضع وروح التعايش من أكثر الصفات التي أدهشته في الشيخ زايد، إذ كان رجلا ذا عقل منفتح ويسهل الوصول إليه. كما أنه آمن، منذ البداية، أن المال يجب أن يكون في خدمة من يملكه، لا أن يكون صاحب المال عبدا للمال. وهذا أمر ترجمه على أرض الواقع عبر تسخيره نعمة أموال عوائد النفط لخدمة الشعب، مما جعله ينشر قيم العطاء والتشارك ومد يد العون لكل الناس الذين يمرون بمعاناة.

الواقع والمتخيل

يكشف سينويه أن الجزء الروائي المتخيل في “الصقر” أصغر بكثير من الجزء التاريخي، ويرى أن السير التي كتبها هي أقرب إلى الواقع مقارنة برواياته التاريخية. وعلى الرغم من غلبة الطابع التاريخي على الطابع الروائي الدرامي في “الصقر”، فإنها تحتوي على قدر غير يسير من الأحداث المثيرة؛ فالشيخ زايد آل نهيان كان قد اجتمع مع الشيخ راشد آل مكتوم في الصحراء تحت خيمة كبدو، واتفقا على تأسيس اتحاد قوي هو الإمارات.
لم يُخف سينويه أمنيته أن تتحول رواية “الصقر” إلى فيلم. وأردف أنه تحدث حول هذا الأمر مع عدد من الأشخاص؛ لكن هذا الموضوع ليس سهلا، لأنه يجب إيجاد ممثل قادر على لعب دور الشيخ زايد. من جهة أخرى ووفق سينويه، لا يزال اسم الشيخ زايد ذا حمولة محاطة بقدر كبير من الهيبة بحيث يصعب على أحد أن يجرؤ على أداء دور زايد في فيلم. فالأمر صعب، وربما يجب الانتظار عشر أو عشرين أو ثلاثين سنة قبل أن يتيسر تحقيق هذه الأمنية.

رهبة الكتابة

من بين المكنونات التي باح بها سينويه للحاضرين بقاعة كراسيها المتباعدة كلها امتلأت بنقاد ومثقفين وهواة الأدب أنه عندما يكمل رواياته لا يعيد قراءتها؛ بل يحصل أحيانا أن ينسى بعض أجزائها عندما يتحدث آخرون عنها، فإتمامه كتابة رواية ما شبيه بإغلاق باب لا يجرؤ فيما بعد على فتح دفتيه. إن الطابع الدرامي للعمل يجعل التغيير المحتمل لأي شيء فيه أمرا صعبا.
وحول مهارة الكتابة، قال مؤلف رواية “الصقر” إنه لا يمكن للمرء أن يدرك ما إذا كان يعرف الكتابة إذا لم يحاول. يقول سينويه إنه بدأ الكتابة متأخرا في عمر 35 سنة؛ لأنه كان يقرأ الكثير من الكتب والتحف الأدبية التي كانت ترفع في قلبه منسوب الشعور بثقل مسؤولية الكاتب فيرهبها ويهابها، فعندما قرأ كتاب “الطاعون” لألبير كامي وأعمال شاتوبريون كان يقول مع نفسه لا يمكنه كتابة تحفة أدبية كهذه. لكن الذي أيقظه هو ذلك الشعور الفجائي بأن ينتهي به الأمر عاجزا عن الكتابة. فمع اقتراب المرء من عمر الأربعين، يبدأ الإنسان يفكر بأنه إذا لم يحاول فعل ما رغب بفعله حين كان شابا، يجب فعله قبل فوات الأوان.
يرى مؤلف رواية “الصقر” أن الخوف من الفشل هو الذي يولد رهبة الكتابة الروائية، ويعتقد أنها صنعة لا يمكن تعلمها بشكل منهجي نظامي؛ فهي هبة سماوية، مثلما هو الحال مع الموسيقى، إذ هناك أطفال يأخذون البيانو أو الكمان وبعد مرور ثلاثة دروس فقط يقومون بعزف معزوفات مذهلة، وآخرون ليس لهم آذان موسيقية يعجزون عن التمييز بين النوتات الموسيقية.
وحول الفرق بين كتابة كلمات الأغاني وكتابة الروايات، يقول جيلبير سينويه إن الأغنية هي سباق سريع للمسافات القصيرة، ويقوم بها عداء يجري مسافة 100 متر. أما الرواية فهي ماراثون، أي عدو لمسافة 40 أو 50 كيلومترا.

الغنائي والروائي

اكتسب سينويه تجربة ثرية بعد التعرف على مشاهير ونجوم الفن مثل كلود فرانسوا وداليدا وماريا فوري الذين التقاهم خلال أدائهم أغان على متن المركب الفخم الذي كان أحد ممتلكات الملك فاروق ثم استأجره والده 40 سنة قبل أن يعود إلى الدولة المصرية باعتباره تراثا وطنيا. فعلى متن ذلك المركب الشبيه بيُخوت الميسيسيبي، شاهد عن قرب الجد والكد الذي يمتازون به.
ويعتبر الكاتب الفرنسي ذو الأصول العربية فترة طفولته ويفاعته هناك فترة ملهمة، فهي التي دفعته إلى كتابة كلمات الأغاني وتلك المسلسلات التلفزيونية ونصوص الحوارات والسيناريوهات، ثم أصبحت هذه الأخيرة بدورها بمثابة تمارين عقلية جعلته يتقن صنعة الكتابة ويتحرى الدقة أكثر.
ويزيد سينويه أن على الكاتب تقبل الفشل في بداياته، فلا بد للفنان أن يجرب الفشل قبل تذوق نشوات النجاح الذي كثيرا ما يتحقق صدفة؛ فالفشل قرين حياة الفنان، سواء كان رساما أو نحاتا أو مغنيا.

مركب الملك فاروق

في مركب الملك فاروق، كان سينويه يقضي معظم عطله ويلتهم الكتب الأولى التي وقعت بين يديه. وهناك أيضا التقى جاك بريل وشارل أزنافور وداليدا وغيرهم ممن أتوا للغناء هناك؛ فالمغني جاك بريل هو من ألهمه لاختيار دراسة الموسيقى.
ويقول سينويه إن رؤيته في سن 14 لجاك بريل وهو ينزل من على صهوة جواده ويمتشق قيثارة عند اقترابه من مركب أبيه لا تفارق ذاكرته.
ويضيف مؤلف رواية “الصقر” أن سماعه يغني على متن المركب فتنه وألهمه للتفكير في كتابة كلمات الأغاني؛ فجودة النصوص المغناة سحرته، وكانت دوما تشعره وكأنه يقرأ رواية. فعندما تسمع أغاني جاك بريل، تجد لكل أغنية مقدمة وعرضا وخاتمة وقصة متكاملة تُروى وتُحكى، وكل هذا يحدث في 3 دقائق، مما جعل ذهول سينويه يتجدد كلما سمع أغنية جديدة لجاك بريل. فأن تحكي قصة في ثلاث دقائق ليس أمرا سهلا. وهذا بالضبط ما فتح شهيته لكتابة كلمات أغان تكون بمثابة حكايات شفهية يرويها لكل من مستمع.

قلب أم كلثوم وعقل ديكارت

يعتبر سينويه نفسه فرنسيا ومصريا ولبنانيا ويونانيا في الوقت عينه، دون أن يسبب له ذلك أية مشكلة ميتافيزيقية. كما يقول إن لديه قلب أم كلثوم وعقل ديكارت.
يدرك المتحدث ذاته أنه من الرائع أن يجتمع في شخصية المرء جزء شرقي وآخر غربي؛ فنشأته في تلك البوثقة الثقافية الغنية سمحت له بتكوين نظرة منفتحة ومتسامحة عن العالم، إذ عاش وهو الكاثوليكي بين المسلمين في مصر وكان لديه أصدقاء يهود.
ويعتقد الكاتب الفرنسي ذو الأصول العربية أن ولادة المرء في بلد عربي والعيش في أحضان ثقافة عربية وفرنسية أتاحت له الكتابة بشكل مختلف، وأن هذا العنصر لعب دوما دورا في كتاباته؛ فهو يجد نفسه صاحب روح حكواتية قاصة، وهذا شيء اكتسبه من التقاليد العربية المعروفة بوجود قاص وحكواتي أمام المساجد يحكي قصصا، ومن تراث ألف ليلة وليلة وشهرزاد. وفي الوقت ذاته، يعتقد سينويه أن نصفه الفرنسي منحه تلك الصرامة الأدبية النابعة من الثقافة الفرنسية وقراءته أعمال كتاب عصر النهضة وفهمه للعقلية الفرنسية. فهويته شبيهة بمشروب الكابوتشينو، بحيث لا يمكن فصل القهوة عن الحليب بعد اجتماعهما في فنجان واحد.

القراءة والافتراس

يرى ضيف الصالون الثقافي الذي استضافته الرابطة الفرنسية في أبوظبي بالتعاون مع المعهد الفرنسي والمكتبة الفرنكوفونية “كلتشر أند كو” أن أفراد الجيل الحالي تعرضوا لافتراس من وحش اسمه الهاتف الذكي والآيباد والإنترنت. ويعترف بأن ابنه لم يقرأ إلا اثنين من كتبه، وأن ابنه ليس بالمرة من هواة المطالعة الحرة، وأن أصدقاءه ليسوا أيضا من هواة المطالعة.
في تجربته الشخصية، يتذكر سينويه أنه عندما كان يصعد الطائرة أو الحافلة أو قطار المترو، يرى كل راكب يحمل في يديه كتابا. أما اليوم، فقد حل الهاتف الذكي محل الكتاب. لذلك، يرى أن الجيل الجديد تعرض لافتراس من قبل سيل جارف من المعلومات المتاحة بسهولة.
يأمل مؤلف رواية “الصقر” أن يصاب الشباب بالملل من الهواتف الذكية مع مرور الوقت ويعودوا إلى مطالعة الكتب. كما يرى أن الصغار قد يعودون إلى القراءة وحدهم يوما ما مستقبلا، وربما لن يعودوا إليها أبدا.
ولم يفت سينويه التنويه إلى أن تعكر مزاج الناس حول العالم بسبب الحجر المنزلي في زمن جائحة “كورونا” الحالي جعلهم يفضلون مشاهدة مواد بصرية مثل مسلسلات على “نيتفليكس”.

قصة “حلوة يا بلدي”

يقول سينويه إنه انبهر بالنجاح الذي حققته أغنية “حلوة يا بلدي” في العالم الغربي والعربي، على الرغم من أنها كانت أغنية مترجمة من الفرنسية إلى العربية. فمع أنها نسخة مكيفة وليست مطابقة للنص الفرنسي الأصلي، حصدت نجاحا هائلا، علما أن الأغاني المترجمة نادرا ما تلقى نجاحا كبيرا.

أمنية لم تتحقق

على الرغم من حديث سينويه في رواية “الصقر” عن الصيد بالصقور وسرده تفاصيل دقيقة عن هذه الممارسة التي كان المرحوم زايد يعشقها، وعلى الرغم من حبه لها، فإنه لم يسبق له خوض غمارها؛ لكنه يعتقد أن أمنيته ستتحقق قريبا.
يكشف سينويه أنه استمتع بحيوات عديدة عاشها؛ لكن الحياة الأكثر إمتاعا هي تلك التي لم يعشها بعد.

تمكين المرأة

يعتبر ضيف الصالون الثقافي الذي استضافته الرابطة الفرنسية في أبوظبي بالتعاون مع المعهد الفرنسي والمكتبة الفرنكوفونية “كلتشر أند كو” أن كتابته رواية “الصقر” جعلته يطلع على كثير من المحطات الملهمة للمرحوم زايد، وأبرزها نظرة الاحترام التي كان يكنها للمرأة؛ مما جعل رفيقة دربه الشيخة فاطمة شريكة حقيقية له في الإنجازات التي صنعها.
ويصف مؤلف رواية “الصقر” الشيخة فاطمة بالعصامية التي تعلمت لوحدها في السبعينيات، عبر الانهماك على قراءة عشرات الكتب. كما يعتبرها رائدة في تمكين المرأة الإماراتية وسعيها دوما إلى تبويئها أعلى المراتب والمناصب. ولذلك، لا عجب أنها المرأة العربية الوحيدة التي حصلت على وسام “ماري كوري” الذي تمنحه فرنسا، يضيف سينويه.