حريم الباشا.. هكذا عاشت عشرات النساء في قصر الڭلاوي بمراكش

0
702
Marrakech Pasha Thami El Glaoui. Le pacha de Marrakech Thami EL GLAOUI dans son palais 'Dar El Bacha' ? MARRAKECH. (Photo by Maurice Jarnoux/Paris Match via Getty Images)

“كانت النساء الساهرات على ملبسه يتوفرن على دمى فارغة ومخرومة يضعن عليها ثيابه وباقي ملابسه الداخلية، وبعد أن يرششنها بماء زهور البرتقال، يضعن تحتها مبخرة يزودنها بالعنبر والمسك والصندل وأنواع أخرى من البخور، وبهذا كانت عناصر البخور تلتصق بالملابس بفعل الرطوبة المعطرة لماء الزهور، وكذلك كان يلبس الڭلاوي كل صباح”، يحكي عبد الصادق الڭلاوي في كتابه “الأوبة” الذي خصصه لوالده باشا مراكش القوي.

لم يذكر ابن الباشا عدد النساء اللواتي كانت مهمتهن فقط تعطير جلاليب والملابس الداخلية للباشا الثري والقوي في عهد الحماية والاهتمام بحمّاماته وزينته اليومية، لكنه ذكر أن الطباخات فقط كنّ ثلاثين امرأة، دون احتساب البوابات، والبستانيات، والمكلفات بالغسيل، والموسيقيات اللواتي تم استقدامهن من دول أخرى كثيرة، مثل تركيا، للعزف وتعليم العزف للنساء في قصر الڭلاوي أيضا. كل ذلك يشي بأن عدد النساء في قصر الباشا كان كبيرا جدا؛ فكل المهام داخله كانت موكولة للنساء.

كان عبد الصادق الذكر الوحيد الذي يسمح له بولوج القصر الفخم. وإذا ما تطلب البيت إصلاحا ما أو أعمالا لا يتقنها غير الرجال، كان يتم حبس النساء في جناح خاص تحت سلطة البوابات إلى أن ينهي الرجال عملهم. حتى أولاد الباشا لم يكن مسموحا لهم بالمكوث في القصر، وكانوا يعزلون عن أمهاتهم بمجرد أن يكبروا قليلا لتفادي أي اختلاط مشبوه بين أي ذكر والنساء اللواتي تعج بهن الدار.

فصل الذكور عن الحريم

يحكي عبد الصادق الڭلاوي عن والده قائلا: “كانت عادة غريبة أن تستقبل الأمهات أبناءهن كأشخاص غرباء عن العائلة، بحيث لا يمكنهم الاتصال بالحريم الذي يعيشون في كنفه، ولكي يرونهم، كان من اللازم الحديث معهم ولقاؤهم في حجرة خاصة تحت حراسة البوابات لوقت قصير، وفقط حين يصبح الفتى رجلا ويحوز استقلاله وبيته، يسمح الباشا لأمه أن تذهب لتعيش معه”.

عندما توفي الباشا الڭلاوي يوم 23 يناير 1956 كانت تعيش في بيته الفخم بمراكش 100 امرأة؛ فإلى جانب زوجاته مثل قمر التركية، نديدة التركية، زبيدة، فاضنة، وزينب، أرملة أخيه المدني التي تزوجها بعده، وكلهن أنجبن له أولادا أو بناتا، فقد كان في بيته عدد من الإماء والجواري.

وقد كتب عبد الصادق عن هذا الموضوع قائلا: “أذكر أنه في الدار كانت توجد إماء حقيقيات اشتراهن أبي من النخاسين الذين كانوا موجودين في مغرب بداية الحماية، كانت بينهن السوداوات ذوات الوجوه الموشومة الآتيات من أعماق إفريقيا بعد أن اختطفتهن أيادي رجال القوافل لبيعهن هنا أو هناك”.

إماء وبنات عبيد

كان بيت الڭلاوي يعج بالنساء من جواري وخادمات يقمن بمهام كثيرة لتوفير الطعام ومختلف الخدمات للباشا وضيوفه ومن يعيش تحت كنفه؛ فبحسب ابنه، فإن دار الڭلاوي كانت تستهلك 1500 قنطار من الدقيق شهريا، وكانت الخبازات يعجنن يوميا في معاجن قصره، ثم يرسل العجين إلى الفرن مع كوكبة من الحمالين.

وعن أصول هؤلاء النسوة اللواتي كن يشتغل في دار الڭلاوي، كتب عبد الصادق قائلا: “كانت أغلب النساء اللواتي يعملن بالدار آتيات من أصول ومناطق أخرى، فقد كن إما بنات عبيد استقروا منذ أجيال في بيوتنا بالجنوب، أو بنات محاربين رزقوا الكثير من الأولاد فاختاروا وضع بناتهم لدى السيد لتخفيف عبء تربيتهن وإطعامهن، أو بنات الخدم والمزارعين الذين وضعوهن في الدار مقابل الأجر والمسكن، وقد كنّ كلهن من مناطق نفوذ العائلة”.

تركيات جميلات

وبخصوص الأجنبيات اللواتي تم استقدامهن من بلد آخر، يقول المصدر ذاته: “هناك بعض الموسيقيات اللواتي تم استجلابهن من تركيا بداية القرن، وتم وضعهن لدى بعض عائلات الأعيان لتعليم نساء المجموعات الموسيقية قواعد الموسيقى والرقص”.

بعض هؤلاء التركيات الجميلات استطعن أسر قلب الباشا، حيث أنجبت له واحدة اسمها قمر أربعة أبناء هم ابراهيم وعبد الله وأحمد والمدني، آخرهم رحل إلى دار البقاء سنة 1990. فيما أنجبت له نديدة التركية محمد وفطومة.

وعنهن كتب عبد الصادق في كتابه “أبي الحاج التهامي الڭلاوي”، قائلا: “كانت اللواتي بدارنا من الجمال واللطف والرقة بحيث استطاعت بعضهن اجتذاب سيد البيت، بل إن منهن من منحته أطفالا، وإحداهن الأجمل والأكثر ثقافة كانت عاقرا، وحتى يخفف عنها الباشا سوء الحظ هذا، كان يخصها بأجمل الحلي وأبهاها، مرددا بأن من حقها أن تكون بهذا أكثر حظوة من النساء الولودات”. وكشف عبد الصادق أن هذه المرأة عادت إلى أنقرة للعيش بين ذويها بعد وفاة الرجل القوي باشا مراكش.

وكتب عبد الصّادق في موضع آخر متحدثا عن دهشة الأوروبيين الذين يزورون والده بمراكش: “لم يكن حضور النساء بذلك العدد الوفير إلا ليثير فضول ودهشة أصدقائه الأوروبيين، فقد كانوا ينعتونه بالحريم، واجدين من دون شك في تلك التسمية طابعا غرائبيا يرضي منزعهم”.

وأضاف: “الإسلام حدد تعدد الزوجات بصرامة، أي الاكتفاء بأربع وما ملكت الأيمان. فقد كانت الإيماء والجواري عبارة عن غنائم الحرب أو من المقتنيات الخاصة ويحق لمالكها معاشرتها، وكان أبناؤهن يتمتعون بنفس حقوق الأبناء الناجمين عن الزواج”.

وأورد السفير المغربي الراحل أنه “كان من الغريب أن يرى المرء الأب يحتفل بعقيقة عدة أبناء في الآن نفسه، مع أمهات في مرحلة واحدة من النفاس”.